انتهت دلال من طقوس صباحها الهادئ، ارتشفت آخر رشفة من قهوتها المرة وهي تجلس خلف مكتبها، مستعدة لمواجهة أرقام العمل وملفاته. لكن، وبمجرد أن فتحت بريدها، لم تجد ملفات جافة، بل وجدت سيلا من الرسائل المنهمرة من ماهر.
راحت تقرأ، عباراته الوردية المستفيضة في الوعود تستفز وعيها الحاد، وتشعل في داخلها شرارة الرفض. شعرت بعبثية الكلمات أمام صخرة الواقع التي تعرفها جيدا. تركت الفأرة، وبأصابع ترتجف انفعالا، أمسكت هاتفها، ولم تتردد في كتابة الحقيقة التي يخشى هو رؤيتها:
"لقد عرضت الحب، وكأنك تعرض طوق نجاة، لكنك لا تعلم أنك مثلي، غريق في بحر من الموروثات التي لا ترحم. ليس لك أن تحبني، أو لنقل لن تواصل المسيرة في رحلة عشقي؛ فأنت مكبل بأغلال المجتمع والعادات حتى وإن كنت لا تعيها الآن في غمرة اندفاعك. أنت لا تتحرك بإرادتك الحرة، بل تساق بخيوط خفية يمدها اللاوعي الجمعي الذي استوطن أعماقك منذ الصرخة الأولى. هذا الإرث الثقيل، الذي تراكم عبر أجيال من الخوف، يقف كحارس صلب على أبواب قلبك، يمنعك من أن تمر قدما بما تشتهي.
نحن في هذا المجتمع، يا ماهر، لا نتخذ قراراتنا بناء على ما نحب، بل بناء على ما تمليه علينا غرف الذاكرة المشتركة المظلمة؛ نختار الصمت حين يجب الصراخ، ونختار التراجع حين تشتعل الرغبة، فقط لأن العقل الجمعي فينا يرتعد من فكرة الخروج عن السرب.
أنت الآن لا ترى سوى بريق البدايات، لكنني أرى النهاية بوضوح؛ ستتركني في منتصف الطريق وتضل، وأنا يا سيدي قد تعبت من أنصاف الطرق، فالعودة منها طويلة، موحشة، ومؤلمة لروح لم تعد تملك ما تضحي به من أجل المترددين. لا تعرض علي حبا ستعتذر عنه لاحقا باسم الظروف.. فالظروف ليست إلا قناعا يرتديه عجزك أمام سطوة الجماعة."
دلال.
ضغطت "إرسال" بقوة، ثم وضعت الهاتف وجها لوجه على المكتب، وكأنها تضع حدا نهائيا لثرثرة الأحلام أمام منطق اللاوعي الذي يحكمهم جميعا.








































