أغلقت دلال الكتاب، ثم رفعت بصرها نحو صديقها إسلام، وأطالت النظر في ملامحه المنهكة وكأنها تقرأ ما لم يكتبه في فصوله. سألته بصوتٍ هادئ يحمل رنة العتاب: وماذا بعد؟.. ألم ينتهِ كل شيء بينكما بانتهاء هذه الصفحات؟
تنهّد إسلام بعمق، وأخرج زفرةً حارة كادت تحرق وجه دلال بلهيبها، ثم أجاب وصوته يتهدج بمرارة: كنتُ أظن يا دلال أنني كلما سكبتُ ذكراها على الورق، سأفرغ منها.. ظننتُ الحبر سيستنزفها من عروقي حتى أشفى. لكنني حين وصلتُ إلى السطر الأخير، وأغلقتُ الكتاب، نظرتُ إلى المدى أمامي وأدركتُ الخدعة؛ الرواية لم تنتهِ، بل هي الآن فقط بدأت تضغط على صدري. لقد حبستُها بين الغلافين، لكني حبستُ نفسي معها. في تلك الصفحة البيضاء التي تلي النهاية، لم أجد الفراغ الذي بحثتُ عنه، بل وجدتها تنتظرني هناك.. وكأن كل ما كتبته لم يكن رحيلاً عنها، بل كان طريقاً عائداً إليها.
صمت قليلاً، ثم تابع بأسىً شديد:
"أدركتُ حينها أن الكتابة_على غرار القراء_ ليست دائماً فعلاً للتحرر، بل هي أحياناً تورطٌ أبدي. كنتُ أريد أن أتركها خلفي في الفصول السابقة، فإذا بي أجدها تسكن في المسافة بين الكلمة والكلمة، وفي الصمت الذي أعقب الخاتمة. أتعرفين ما الأقسى يا دلال؟ هو أنني صرتُ أتنفسها ورقاً، وأسمع صوتها في حفيف الصفحات. لقد أخرجتُها من سجن ذاكرتي، لأبني لها وطناً في كتبي.. والآن، كلما فتحتُ الرواية أو أغلقتُها، أشعر أنني أفتح جرحاً ظننتُ يوماً أن الحبر قد ضمده. لم تكن الرواية إلا اعترافاً صريحاً بالهزيمة، هزيمتي أمام حكاية لا ينهيها حبر، ولا يطويها غلاف








































