يوسف. في منتصف الثلاثينيات، يحمل هدوءًا يشبه البحر في سكونه، لكنه بحر يخبئ في أعماقه تيارات خفية من قلق قديم. يختبئ خلف تحكمه بالعقل وتحليل كل شيء، كأنه يحاول ترتيب الفوضى التي لا تتركه، لكنه يعلم أن تلك السيطرة قشرة رقيقة، تكاد تتكسر مع كل نسمة عاطفة.
لم يكن يحب فكرة الجلوس أمام طبيب نفسي. لم يشعر يومًا أنه «مكسور» بهذا القدر، لكنه كان مرهقًا من التكرار. جلس في غرفة هادئة بألوان محايدة، حيث قال له الطبيب ببساطة:
«احكي لي عن آخر علاقة انتهت.»
ابتسم يوسف ابتسامة صغيرة، درع تلقائي: «انتهت لأنها لم تناسبني.»
لم يقاطعه الطبيب، فقط انتظر بصمت، فوجد نفسه يتكلم عن الضيق الذي شعر به حين قالت له إنها تشعر بالأمان معه، عن رغبته المفاجئة في الاختفاء، وعن ذلك الصوت الداخلي الذي يقول:
«اخرج الآن قبل أن تُطالَب بالبقاء.»
في تلك الجلسات، لم تكن هناك صدمات كبيرة، بل فراغات صغيرة تركت أثراً:
«هل تتذكر أول مرة شعرت بهذا الإحساس؟»
توقف يوسف، لا صورة واضحة، فقط إحساس قديم... انتظار طويل، طمأنينة لم تكتمل.
«كنت طفلًا… لكني لا أذكر موقفًا محددًا.»
ابتسم الطبيب بهدوء: «الجسد يتذكر ما تنساه الذاكرة.»
هكذا، جلسات تلو الأخرى، بدأ يسمّي ما لم يُسمَّ من قبل: قلق التعلّق، خوف الفقد، الصمت الذي تعلمه كوسيلة نجاة.
لم يكن ذلك اكتشافًا صادمًا، بل راحة غريبة، كأن أحدهم وضع كلمات دقيقة لما عاشه بصمت.
وفي جلسة لم يكن مستعدًا لها، سأل الطبيب بسؤال بسيط:
«ماذا كنت تحتاج وأنت طفل… ولم يأتِ؟»
انكمش يوسف، حاول أن يجيب بعقل، لكن الكلمات خانته. بعد صمت طويل، قال بصوتٍ منخفض:
«كنت أحتاج أن يبقى أحدهم… حتى النهاية.»
سكت الطبيب، وترك الجملة تسقط بكل وزنها.
بكى يوسف للمرة الأولى بلا خجل، بكاء هادئ يشبه اعترافًا متأخرًا، ثم قال الطبيب:
«أنت لا تطلب الكثير… فقط ما لم تحصل عليه.»
حين يخرج يوسف من العيادة، تكون السماء مثقلة بالغيوم، والمطر لم يبدأ بعد، لكنه حاضر في الهواء المشبع بالانتظار.
يسير بلا وجهة، حتى يصل إلى البحر، حيث يجلس على مقعد قديم يراقب الموج يتقدّم ويتراجع بلا خوف من التكرار.
يتذكر طفولته، ليس كمشهد، بل كإحساس ذلك الطفل الذي يقف عند النافذة، يعدّ الدقائق، ويتعلم الصمت كوسيلة للبقاء.
الآن، وهو رجل، يدرك أن الصمت لم يعد يحميه. أن البقاء رغم الخوف هو فعل شجاعة لا ضعف.
حين يشتد المطر، لا ينهض. يتركه يبتل، كأنه يسمح للعالم أن يلمسه دون انسحاب.
يبتسم بخفة، ويقول لنفسه:
«يمكنني هذه المرة… ألا أهرب.»
كان البحر أمامه، مفتوحًا، صادقًا، لا يعد بشيء… لكنه موجود.
وهذا، للمرة الأولى، بدا كافيًا.








































