لكزتني سلوى في جنبي فانقلبت للناحية الاخرى وجذبت اللحاف الذي امتلا برقعات ذات الوان مختلفة. طبطبت سلوى تلك المرة على خدي بحنانها المعتاد فاستيقظت ساخطة ..!
ردت سلوى بهدوء الاخت الاكبر سنا..بتحلمي بايه
(ياااه يا سلوى حلم جميييل كاني قاعدة ف غيط كبير ومعايا هاجر وندى بنلعب وكان فيه قدامنا ترابيزة عليها اكل ياما طعمه جمييل وحمام اببض بيلعب معانا كانه عارفنا...واكل...كل الاكل اللي كنت باتمناه ...طعمه حلووو اوي)
هذه المرة لكزتها سلوى في صدرها ضاحكة وهمست لها
(مفجوعة حتى ف الحلم )
تألمت زينب وقالت لها بصوت هامس..صدري يا جبانة قلتلك بيوجعني...ابتسمت سلوى بخبث وهمست لأختها...ولووو حتى لو جاتك(....) مفيش جواز قبل ما تعلمي اخواتك الرجاله وتجوزيهم كمان.
همهمت زينب بغضب مكتوم..( مين قال جواز ...كنت بس اكمل علام واروح المدرسة وادخل معهد التمريض واعيش فمصر زي منى بنت البقال)
قالت سلوى بيأس(مدرسة وعلام؟ واهلك ياكلوا منين)...اكملت زينب كان لم تسمع سلوى(..نفسي يا ناس ف جلابية جديدة وطرحة جديدة نفسي ف شبشب بدل المقطوع وامك رابطاه بدباره...بس تعرفي ..فالحلم كنت لابسة عباية زينة اوي ومكانش معايا غير هاجر وندى..(ثم وبعينين مرحتين ضاحكتين اكملت....انت لا.. وامك لا مجيتوش معانا..)ضحكت الفتاتان ثم همست سلوى بطيبتها المعهودة
(بس يا بت لامك توعى لك وتشندلك...قومي نشق ريقنا بلقمتين قبل ما يفوت معاد العربية وتضيع علينا اليومية...ومايبقاش عندنا لا غدا ولا عشا...)
وضعت الفتاة على الارض طبقا صغيرا به قطعة جبن وحزمة بصل اخضر ورغيفين...بدات الفتاتان تاكلان بشهية نصف مفتوحة ساعدتهما عليها بطن ضامرة..
زينب:( تعرفي يا سلوى...كان ف الحلم اكل ياما اشتهيته...سمك ولحم وتفاح وعنب.. وعصير معرفش اسمه لكن طعمه لسه ف حلقي...زي اللي بيطلع فالاعلان بتاع التلفزيون)
سلوى بنفاد صبر:( بس بقى الله يهديكي متكرهناش فنعمة ربنا اللي قدامنا....كلي وانت ساكتة)
زينب: اني بردانة مش قادرة اروخ
تنهدت سلوى: هانت بس كمان شهر ونقبض ونجيب هدوم تقيلة للشتا
كانت السيارة تشق الطريق الترابي محملة بطفولةمعذبة في مشهد سيريالي ...طفولة بجلابيب قديمة رسم عليها الشقاء بيده الترابية الوانا باهتة واجساد ضامرة تتنازعها براءة منتهكة وشباب يكاد يفر من هول الفقر والعوز...ورغم ذلك فالبعض يغني وقد اجبرته طفولته على المرح ايا كان الحال.. ينتهزون الساعة التي تنقلهم من قرية لقرية ليبدا المرح غير المتكلف كانهم يهربون من دموعهم بالغناء والصخب ..و..اما عينا زينب فقد كانت تنظر للبعيد همست لها سلوى: مالك يا بت...لساه الحلم؟
اشاحت زينب بوجهها نحو صديقتيها ثم نادت بصوت عال يغطي على صوت الغناء..(هاجر ..ندا..تعالوا )
قامت فتاتان من مكانهما لا تتعدى اي منهما الثالثة عشرة وأقبلتا نحو زينب وسرت بينهن همهمة محببة وتطلعت الفتيات بوجوه سمراء بفعل الشمس، جميلة برغم الفقر ..وقد داعبهن الامل في حلم (زينب)
عادت زينب للحكاية عن الحلم بعينيها الخضراوين السارحتين:
حلمت بينا ف غيط جميل وبناكل اكل حلوو اوي وماسكين في ايدينا كل واحدة فرخ حمام بنطيره يطير فوق راسنا...كانه بيعرفنا...وبعدين مسكنا ايدين بعضينا وصرنا نجري ونلعب....تعلقت عيونهن اللامعة بالسماء
هتفت هاجر....(ده رزق وجاي لنا وراحة كبيرة..عز وهنا هاجيب عجلة لاخويا الصغير وشال لامي واحيب كرسي بعجل لابويا عشان يروح يصلي ف الجامع) همست ندا وعيونها متوجهة نحو الفتية على الطرف الاخر من العربة....(يمكن عرسان اغنيا ياخدونا من الهم ده... وخدم وحشم يحضرولنا الاكل والهدمة واعوض امي بعد موت ابويا)..تشابكت احلام الطفولة والصبا وانساب حديث الفتيات الممتلىء في تلك السن الغضة بأسرار غامضة عن الحب والزواج حين دفعتها سلوى بخفة قائلة...ومنين ييجي العرسان الاغنيا وفين يشوفونا؟ فالمزرعة بنلم البيض؟
همست زينب كأنها لا تسمع لاختها....(واللبس يا بنات..كنا لابسين عبايات بيضا مطرزة بالدهب وشعرنا سارح وعليه عقد فل)...ثم تناولت نفسا عميقا قائلة والله لسه ريحته باشمها...
نظرت الفتاتان الى حيث نظرت عينا زينب وشدهما حنين غريب لكلامها حين تحول الغناء لصراخ مفاجىء وهزات عنيفة ...حاولت سلوى ان تمسك بزينب ولكن فجاة انقلبت السيارة لتبتلعهن المياه....دقائق كالسنين مرت حين حاولت سلوى ان تنقذ اختها..بحثت عنها وهي تضرب بيديها وقدميها الماء..تصرخ بجنون ..وصوتها ضائع وسط صراخ الاخرين زينااااب
.لا تدري كم مضى من الوقت وهي جالسة على التبة الترابية عيناها مسمرة على صفحة الماء لعله يحن ويفك اسر البنات الراقدات في بطنه.....تولول وتنوح...(تعالي يا زينب هاجيبلك الجلابية والشبشب...تعالي يا زينب وارجعي المدرسة بس تعالي...اطلعي...)
حين طفت زينب ويدها ممسكة بجلباب هاجر وندى.. تلاصقت اجسادهن المتيبسة بشكل غريب...وعلى غير العادة وجوههن طافية.. وعيونهن مشدوهة نحو السماء...