وقفت حائرة تتأمل الطريق من شرفة شقتها في القدس، تحدّق في الفراغ كأنها تبحث عن وجهٍ غاب فجأة عن العالم. لم ترَ شيئًا.
عادت إلى هاتفها، علّه يروي شوقها أو يطمئن قلبها القلق، لكن لا شيء.
الرقم ذاته… المحاولة ذاتها…
غير متاح.
أخذت نفسًا عميقًا، رفعت رأسها إلى السماء، وهمست بتنهيدة حارّة:
— يا رب…
وكأن الدعاء وجد طريقه سريعًا، دبّت الحياة في الهاتف بين يديها.
ارتجف قلبها قبل أصابعها، أجابت بلهفة:
— الحمد لله… أين أنت؟ لماذا لا تتصل؟ لماذا لا ترد؟
جاءها صوته من الطرف الآخر، متعبًا لكنه حيّ:
— تمهّلي يا أمّ محمد، أنا في الطريق… الشبكة ضعيفة.
تنفست أخيرًا.
قالت بصوتٍ مكسور:
— أقلقتني عليك… كم أحتاجك الآن.
سألها عن أولادهم: محمد، حمزة، يوسف، وطفلتهم مريم.
ابتسمت رغم القلق:
— هم بخير… ومريم لا تكف عن السؤال عنك، تنتظرك كما تنتظر العيد.
صمتت لحظة، ثم قالت:
— أشعر بقلقٍ غريب… لا أدري لماذا، قلبي غير مطمئن.
قال بهدوء يعرف طريقه إلى روحها:
— قولي: يا رب.
ردّت بعد تردد:
— سنخرج الآن أنا والأولاد… إلى الأقصى.
اليوم الدعوة عامة لحمايته، والتجمع بعد ساعة.
شدّ صوته فجأة:
— انتظريني حتى أعود ونخرج معًا. أخشى عليكم… الشرطة الصهيونية لا ترحم، والاعتداءات اليوم أشد.
قالت بحزم يشبهها:
— لا أستطيع الانتظار.
تعرف أنني أنتظر هذا اليوم كما ينتظر القلب نبضه، فلا تمنعني.
— أنتِ تعلمين أنني لا أمنع حقًا، لكن خوفي عليكم…
قاطعته بنبرة مكسوة باليقين:
— لو فكّر الجميع هكذا، لضاع الأقصى وضاعت الكرامة.
بالله عليك… لا تمنعني.
قال أخيرًا:
— تعلمين موقفي… لن أسكت عن الحق يومًا.
— إذن سنخرج، ولكل أجل كتاب.
قال:
— أمامي ساعتان فقط وأصل.
— لا تأتِ، استرح من عناء الطريق… وعندما نعود عصرًا، سأحكي لك كل ما حدث.
ضحك بخفة يعرفها:
— أعلم عنادك… فقط انتبهي لمريم.
ابتسمت:
— مريم فقط؟ وماذا عني وعن الأولاد؟
— وهل تغارين من ابنتك؟
ضحكت رغم الدموع:
— انتظرنا… سنناقش هذا لاحقًا.
استودع كلٌّ منهما الآخر الله.
أعدّت نفسها والأطفال، أوصتهم إن حدث كرٌّ وفرٌّ أن يبقوا قريبين من بعضهم.
انطلقت إلى ساحات القدس، حيث التقت مجموعتها.
اتفقوا على الأدوار والهتافات، وانطلقت المسيرة…
الأقصى لنا.
بعد ثلاث ساعات، طوّقت الشرطة الصهيونية المداخل والمخارج.
الشوارع، الأزقة، الساحات…
قنابل غاز، رصاص مطاطي، صراخ، ركض.
كرٌّ وفرّ…
شباب يُطاردون، فتيات يُعتقلن، دماء على حجارة الطريق.
بمساعدة بعض الشبان، خرجت من أحد الأزقة التي كان يحميها متطوعون.
سمعت حديثًا عن اعتقالات، عن شهداء ومصابين بإصابات بليغة.
عرض عليها قريبٌ أن يعيدها إلى البيت، لكنها رفضت.
— سأذهب إلى المستشفى الميداني… هناك من يحتاجنا أكثر.
حاولت الاتصال بزوجها عمر…
مرة… اثنتان…
لا رد.
دخلت إلى المكان، فتجمدت روحها.
شباب في عمر الورد، بعضهم يلفظ أنفاسه الأخيرة.
دموعها نزلت صامتة، وأسئلة لا تجد جوابًا:
لماذا؟ لماذا كل هذا؟
أفاقت على صراخٍ يشق القلب:
— أبي… أبي…
كانت مريم.
قالت لها بذهول:
— أبوكِ في البيت يا ابنتي.
صرخت وهي تشير:
— هذا أبي… هنا…
التفتت…
ورأت عمر.
نظرة حبٍ أخيرة، تحمل كل العمر.
تعثرت خطواتها، كادت تنهار قبل أن تصل إليه.
احتضنت يده بين يديها، نظرت إليه:
— كيف… متى… لماذا؟
قال بصوتٍ خافت:
— وهل ظننتِ أنني أترككم؟
بكت… حتى جفّت الدموع.
قال:
— لا وقت للبكاء… ما زالت أمامك رسالة.
أوصى أبناءه بأمهم،
وقال:
— الحق لا يموت… يعود عندما نعود إليه.
التفت إلى مريم، داعب شعرها بابتسامة واهنة:
— هل تصبحين طبيبة من أجلي؟
أومأت برأسها.
خبا صوته، وخبا بريق عينيه.
اقتربت من شفتيه، سمعت همسه الأخير:
— لا حياة لي دونك…
أنا أنتِ… وأنتِ أنا.
أوصاها ألا تترك الدعاء الذي كانا يردّدانه بعد كل صلاة:
أن يجمعهما الله في الدنيا والآخرة،
وأن تكملا الطريق…
حتى النصر أو الشهادة.
قالت باكية:
— ليتني كنت أنا… لماذا سبقتني؟
ابتسم، نظر إلى السماء،
نطق الشهادتين…
وارتحل.
احتضنت يديه، تقبّلهما وهي تهمس:
— سأبقى على العهد…
لن نترك الطريق،
حتى النصر…
أو الشهادة.








































