اليوم التالي للجريمة
المقدم ناصر يعقد ما بين حاجبيه وهو يتأمل الشقة ذهابًا وإيابًا، يتوقف فجأة ثم يستأنف السير من جديد.
قاطعه الملازم تيسير وهو يتنحنح، قائلًا بصوت خفيض اختلط فيه الحزن بالدهشة:
— من قد يقتل امرأة مثل هذه… امرأة مسنّة؟
توقف المقدم ناصر، واستدار نحوه بنظرة حادة، ثم قال بثقة تنمّ عن خبرات متراكمة:
— من خلال تجاربي، لا توجد جريمة بلا دافع، وتذكّر جيدًا يا تيسير… حتى الآن لا توجد جريمة كاملة.
تنفّس تيسير بعمق وقال بتأثر:
— لكن ما الدافع لقتل امرأة مثل الحاجة زينب؟ امرأة في نهاية العقد السادس من عمرها، أُحيلت إلى المعاش منذ سنوات، وسمعتها طيبة بشهادة الجميع. الجيران يقولون إنها كانت كالأم لكل من في البناية… كرمها ومساعدتها لا تُنكر!
أجاب المقدم ناصر بنبرة عملية لا تعرف العاطفة:
— الدافع المبدئي واضح: سرقة المال والذهب الموجودين بالشقة.
ثم صمت لحظة وأردف:
— لكننا لن نستبق الأحداث… سننتظر ونرى.
استطرد بجدية صارمة:
— نبدأ بمعاينة مبدئية. أولًا نفحص الشقة بدقة، ثم المخارج والمداخل. أريد أن أعرف كيف دخل القاتل، ومتى، ومن أين.
وتابع وهو يشير بيده:
— استدعِ خبراء رفع البصمات والأدلة الجنائية فورًا. مسرح الجريمة يجب أن يُمسَح بالكامل.
كانا يتحدثان في صالة الشقة وهما يتفقدان الأبواب والشبابيك. وما إن دخلا المطبخ حتى ظهرت الفوضى واضحة.
علب الشاي والسكر مبعثرة فوق رخامة المطبخ.
قال الملازم تيسير وهو يحدّق بالمشهد:
— يبدو أن المرحومة كانت تحضّر الشاي… قبل أن تفتح الباب للقاتل.
ثم أشار إلى الرسم على أرضية المطبخ الذي يحدد موضع الجثة وقت اكتشافها.
هزّ المقدم ناصر رأسه بتفكير وقال:
— محتمل… خاصة أن تقرير الطبيب المبدئي يشير إلى أنها قُتلت قبل الغداء، ما بين التاسعة والحادية عشرة صباحًا.
انحنى تيسير فجأة وأشار إلى الأرض:
— سيادتك… هنا.
غبار متراكم، وآثار أقدام غير واضحة.
أخرج المقدم ناصر هاتفه وصوّرها بدقة وهو يقول:
— سنعرف لمن تعود هذه الآثار… أحيانًا الأقدام تقودك إلى القاتل قبل اعترافه.
ثم رفع صوته بحدة:
— هيا يا تيسير، أريد إنهاء كل ما هو عالق بسرعة.
— تمام، سيادتك.
قالها تيسير بحماس وهو يستعد للمغادرة.
لكن المقدم ناصر استوقفه فجأة:
— لحظة.
ثم قال بلهجة آمرة:
— أريد تفريغ كل الكاميرات التي تغطي مداخل ومخارج الحارة والعمارة.
وتشدد في نبرته:
— والأهم… مدخل البناية. أريد أن أعرف من دخل ومن خرج وقت الجريمة بالدقيقة.
أومأ تيسير بثقة:
— لا تقلق سيادتك، سأجمع كل التسجيلات وتحريات المباحث كاملة.
واصل المقدم ناصر تجواله بين غرف الشقة وهو يقول:
— تشريح الجثة سيحدد سبب الوفاة والتوقيت بدقة. بعدها نحصر كل من دخل وخرج من الصباح حتى الظهيرة.
غادر الملازم تيسير بخطوات سريعة وهو يقول:
— سأبدأ فورًا بتفريغ الكاميرات واستدعاء الأدلة الجنائية.
ثم توقف مترددًا وسأل:
— هل ستظل هنا، سيادتك؟
نظر إليه المقدم ناصر بشرود:
— نعم… وعندما تنتهي، ستجدني في مكتبي.
صباح اليوم التالي – مكتب المقدم ناصر
دخل الشرطي المناوب وقدم ملفًا من الأوراق، وما إن غادر حتى اندفع الملازم تيسير إلى الداخل وهو يلهث.
ابتسم المقدم ناصر ابتسامة خفيفة وقال مازحًا:
— خسارة بعض الوزن مكسب يا تيسير.
ابتسم تيسير بخجل:
— كله من أكل الدليفري والوجبات السريعة، سيادتك.
تحولت ملامح ناصر إلى الجدية فورًا:
— هل أنهيت ما طلبته بخصوص جريمة مقتل الحاجة زينب؟
— كل شيء هنا، سيادتك.
قالها تيسير وهو يضع الملف على المكتب.
لوّح ناصر بيده:
— دعك من الأوراق الآن. حدّثني… ماذا وجدت؟
تردد تيسير لحظة ثم قال بجدية:
— كما تعلم سيادتك، القتيلة محالة للمعاش منذ سنوات وقد تجاوز عمرها…
قاطعه ناصر بنفاد صبر:
— لا تعِد عليّ ما أعرفه. ادخل في صلب الموضوع.
ابتلع تيسير ريقه وقال:
— حسنًا.
ثم استرسل:
— من خلال التحريات، الحاجة زينب نمطية جدًا. لا تغيّر روتينها اليومي. منذ وفاة زوجها قبل ثمانية أعوام، حياتها تدور بين مكالمات مع ابنتها واستقبال الجارات.
توقف لحظة ثم أضاف:
— لديها ابن في بداية العقد الرابع، حادّ الطباع، لا يزورها إلا لطلب المال، ويشاجرها إن رفضت.
وهي تقيم بالشقة بعقد إيجار مفتوح منذ زواجها.
سأل المقدم ناصر مباشرة:
— الكاميرات؟
— تم تفريغ كاميرتين. واحدة للحارة، والثانية لمحل ملابس مقابل للبناية، وتُظهر مدخل البناية بوضوح.
قال ناصر وهو يتفحص تقرير الطبيب الشرعي:
— ممتاز.
ثم أضاف:
— التقرير يؤكد الوفاة بعدة طعنات من الخلف وذبح قطعي بالرقبة. التوقيت بين التاسعة والعاشرة والنصف صباحًا.
قال تيسير:
— إذن، لنراجع من دخل وخرج بهذا التوقيت.
وبعد الانتهاء من المشاهدة، تنهد ناصر وقال:
— عدد لا بأس به… وكلهم مشتبه بهم حتى يثبت العكس. ما ينقصنا هو الدافع.
— هل أستدعيهم للاستجواب؟
سأل تيسير.
— نعم…
ثم أكمل بنبرة مقصودة:
— ولكن في شقة المجني عليها.
اتسعت عينا تيسير دهشة:
— لماذا هناك تحديدًا؟
قال ناصر بهدوء قاتل:
— الجاني عندما يعود إلى مسرح جريمته… تفضحه عيناه قبل لسانه. وهذا ما أريد رؤيته.
عصر نفس اليوم – مسرح الجريمة
جلس المقدم ناصر في صالة الشقة، وأمامه الملازم تيسير.
قال تيسير بثقة:
— القاتل دخل من الباب. النوافذ سليمة تمامًا.
أومأ ناصر موافقًا:
— وكل من سيدخلون الآن كانوا محل ثقة لدى الحاجة زينب. دخولهم لمساعدتها كان طبيعيًا… وهذا ما يجعل الشبهة أخطر.
سأل تيسير:
— بمن نبدأ، سيادتك؟
رفع المقدم ناصر عينيه وقال بهدوء حاسم:
— فليدخل الحارس أولًا.
يتبع








































