الحياة والكتاب يتشابهان أكثر مما نتصور.
كلاهما رحلة، وكلاهما حكاية تُكتب صفحةً بعد أخرى، وكلاهما لا يُفهم من النظرة الأولى.
الكتاب يتكوّن من فصول، لكل فصل نبرته وأحداثه وتحولاته، وكذلك الحياة؛ فصولها متعددة، منها ما نقرأه بشغف، ومنها ما نتمنى لو نتجاوزه سريعًا، ومنها ما يترك فينا أثرًا لا يُمحى. لا فصل في كتابٍ عظيم بلا معنى، ولا مرحلة في حياة إنسان بلا درس، وإن بدا الأمر في لحظته قاسيًا أو غامضًا.
الكتاب لا يخرج من المطبعة بلا عنوان، والعنوان هو أول ما يلفت القارئ ويمنحه انطباعًا مبدئيًا عمّا سيقرأ. وكذلك حياتنا، لكل حياة عنوان غير مكتوب، يتشكّل من اختياراتنا، من مواقفنا، من الطريقة التي نواجه بها الألم، ونحتفي بها بالفرح. قد لا نختار عنواننا منذ البداية، لكنه يتكوّن مع الزمن، سطرًا بعد سطر.
حين نبدأ قراءة كتاب جديد، لا نعرف كيف سنجده:
هل سيأسرنا؟
هل سيُمتعنا؟
هل سنكمله حتى النهاية أم نتركه قبل أن نبلغ صفحته الأخيرة؟
وهكذا ندخل الحياة. نولد بلا دليل استخدام، وبلا خريطة واضحة. لا نعلم هل ستبتسم لنا الأيام أم ستثقل كاهلنا بالتجارب. لا نعرف إن كنا سنستمتع بالرحلة أم سنسير فيها مُتعبين، نعدّ الأيام ونترقّب الخلاص.
في الكتاب، كلما قرأنا أكثر، اتسعت مداركنا، ونضج وعينا، واكتسبنا خبرات جديدة.
وفي الحياة، كلما عشنا أكثر، اشتدّ عودنا، وقويت عزيمتنا، وتحولت تجاربنا — حتى المؤلمة منها — إلى دروس تصقلنا وتعيد تشكيلنا. الفرق الوحيد أن الكتاب يمنحك الحكمة بعد القراءة، أما الحياة فغالبًا ما تعطيك الصفعة أولًا… ثم تترك لك مهمة الفهم والتعلّم.
نقرأ الكتب ونتمنى دائمًا أن تكون نهاياتها سعيدة، أن نغلق الصفحة الأخيرة ونحن مطمئنون. وكذلك نتمنى من الحياة أن تهبنا السعادة، أو على الأقل قدرًا من السلام، نهاية نشعر عندها أننا لم نُهدر الرحلة.
الكتاب لا يستفيد منه إلا من يقرأه ويفهمه ويتأمله.
أما الحياة، فهي كتاب مفتوح يقرؤه الجميع، لكن القليل فقط من يتعلم منه حقًا.
الكتاب الواحد قد يقرأه آلاف الأشخاص، أما الحياة فنسخة واحدة، لا تُطبع مرتين، ولا يمكن إعادتها أو تصحيح أخطائها بهامش جانبي.
وهنا تكمن الحقيقة الأهم:
لسنا مطالبين بأن تكون حياتنا كتابًا مثاليًا، بل كتابًا صادقًا. كتابًا عشنا فصوله بوعي، حتى وإن أخطأنا، حتى وإن تألمنا. فالقيمة ليست في خلوّ الصفحات من الألم، بل في المعنى الذي نستخرجه منه.
وفي النهاية، لو كانت حياتك كتابًا بين يديك الآن، بلا عنوان على غلافه…
هل تملك الشجاعة لتختار له عنوانًا يعبّر عمّا عشته حقًا، لا عمّا تمنّيته فقط؟
عنوانًا لا يُجامل، لكنه صادق…
لأن العناوين العظيمة لا تُكتب بالحبر، بل بالتجربة.








































