قبل أن يصبح العمل ضرورة، كان اختيارًا أخلاقيًا.
وقبل أن يتحول إلى روتين يومي، كان وعدًا يقطعه الإنسان على نفسه بألا يترك الحياة تمر عبثًا.
العمل هو تلك المنطقة الوسطى بين الحلم والواقع، حيث تُختبر النوايا، ويُعرَف المعدن الحقيقي للمرء.
لذلك لم يكن غريبًا أن ينشغل به الأدباء، لا بوصفه وسيلة للكسب فقط، بل كمرآةٍ تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.
العمل ليس مجرد حركةٍ متكررة نؤديها لنؤمّن العيش، بل هو الامتداد الخفي لجوهر الإنسان، والبصمة التي يتركها في هذا العالم قبل أن يمضي.
هو اللغة التي يعرف بها المرء نفسه دون أن يتكلم، والدليل الصامت على إيمانه بقيمته وقدرته على الإضافة، حتى في أبسط التفاصيل.
وكما رأى نجيب محفوظ أن “قيمة الإنسان بما يعطيه لا بما يأخذه” فإن العمل يصبح المعبر الأصدق عما نمنحه للحياة، لا عما ننتزعه منها.
في كل صباحٍ ينهض فيه الإنسان إلى عمله، لا يحمل معه أدواته فقط، بل يحمل تاريخه كله: تعبه، أحلامه المؤجلة، وخيباته الصغيرة التي تعلم كيف يخفيها خلف ابتسامة معتادة.
العمل هو المساحة التي يختبر فيها الإنسان صبره، ويقيس بها صدقه مع ذاته.
وقد عبر يوسف إدريس عن ذلك حين رأى أن الإنسان لا يُعرَف في أوقاته السهلة، بل في لحظات الالتزام اليومي، حيث يتساوى المجد والتعب تحت وطأة الواجب.
يعلمنا العمل أن القيمة لا تُقاس بالضجيج، بل بالأثر.
هناك من يعمل في صمت، لا يراه أحد، لكنه يغير الكثير.
وهناك من يتصدر المشهد، لكن جهده بلا روح.
ولهذا قال أحمد خالد توفيق: "إن البطولة الحقيقية هي أن تؤدي ما عليك حين لا يصفّق لك أحد". فالإخلاص وحده قادر على تحويل الجهد إلى معنى، والوقت إلى أثرٍ باقٍ.
وفي العمل يتجلى الفارق بين من يعمل هربًا من الحاجة، ومن يعمل احترامًا لذاته.
الأول يستهلكه الوقت، والثاني يصنع من الوقت سُلمًا للارتقاء. فالعمل حين يُؤدَّى بوعي، يصبح نوعًا من العبادة اليومية، ومواجهة هادئة مع النفس، تُهذبها وتعيد ترتيب فوضاها الداخلية.
وكما كان يرى عباس محمود العقاد "أن العمل هو التعبير الأصدق عن حرية الإنسان، لأنه اختيار مستمر لتحمل المسؤولية".
ليس العمل أن تملأ ساعات يومك، بل أن تملأها بما يستحق، أن تعرف متى تتعب، ولماذا، ولأجل من؟. أن تدرك أن كل جهدٍ صادق، مهما بدا صغيرًا، هو خطوة في طريق طويل، قد لا ترى نهايته الآن، لكنه سيقودك حتمًا إلى نسخةٍ أكثر نضجًا منك.
وهكذا يظل العمل شاهدًا على الإنسان، إما أن يرفعه حين يتقنه، أو يكشف فراغه حين يؤديه بلا روح.
فالعمل ليس ما نفعله فقط، بل كيف نكون ونحن نفعله، وما الذي نتركه خلفنا بعد أن ينتهي اليوم؟.








































