في البدء لم تكن الكلمة “نعم”، بل كانت “لا”.
تلك الهمسة القصيرة التي وُلد منها الرفض، ومنها خرج الإنسان من عباءة التبعية إلى فضاء الاختيار.
هي كلمة صغيرة على اللسان، ثقيلة في ميزان المعنى، تحمل بين طياتها غضبًا دفينًا ووعيًا متوقدًا.
“لا” ليست نفيًا فقط، بل كيانٌ قائم بذاته، يتنفس من رئة الكرامة، ويعيش في صدور من آمنوا أن الحياة لا تستقيم بالخضوع.
كم تبدو غامضة في لحظة الهدوء، لكنها حين تنطق، تفتح بابًا إلى العاصفة.
هي الكلمة التي تخشاها الأنظمة، وتخافها العادات، ويهرب منها أولئك الذين لم يتصالحوا بعد مع ذواتهم.
تبدأ رحلة الإنسان مع “لا” منذ الطفولة، حين يعلن الطفل رفضه الأول للطعام أو للنوم، فيكتشف للمرة الأولى معنى الإرادة.
تكبر معه هذه الكلمة، فتغدو حدوده التي يرسم بها نفسه وسط الآخرين.
وحين يحاول المجتمع أن يصوغ الأفراد على قالب واحد، تأتي “لا” لتقول إن الفرد كيانٌ مختلف، وإن التفكير المستقل ليس تمردًا بل وعيًا.
في البيئات التي تُربى على الصمت، تُصبح “لا” جريمة تستحق العقاب، أما في المجتمعات التي تزرع الحرية، فهي بذرة تُثمر واثقين بأنفسهم، قادرين على قول ما يؤمنون به دون خوف أو تردد.
إنها ليست كلمة رفض، بل لغةٌ من لغات النجاة.
من الناحية العلمية، تشير الدراسات النفسية إلى أن قول “لا” في الوقت المناسب هو أحد أهم مظاهر الصحة العقلية.
يرى العالمان هنري كلاود وجون تاونسند أن القدرة على الرفض دليل على وجود حدودٍ نفسية سليمة، وأن من يخشون قول “لا” يعيشون حالات مزمنة من القلق والإجهاد العاطفي.
كما أظهرت أبحاث أجرتها جامعة كاليفورنيا (UCLA) أن اتخاذ موقف حازم بالرفض ينشّط في الدماغ مراكز الشعور بالتحكم، مما يمنح صاحبه شعورًا بالراحة والثقة.
أما الأطباء العصبيون فيرون أن قول “لا” يقلل من إفراز هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر، ويحافظ على توازن الجهاز العصبي، وهو ما يفسّر الشعور بالارتياح بعد الموقف الحازم.
وهكذا، فالكلمة التي يخافها الناس ظنًا أنها تُبعدهم، هي في الحقيقة ما يقرّبهم من ذواتهم ويحميهم من التآكل الداخلي.
أما أنا، فقد تعلمت أن “لا” ليست رفضًا للحب أو العطاء، بل حدودٌ تحفظ القيمة.
هي سلاحٌ لا يُرفع إلا لحماية ما هو أنقى فينا.
صرت أقولها بثقةٍ هادئة، حين يُطلب مني ما يتجاوز طاقتي، أو حين يحاول أحدهم أن يطفئ فيّ ما أحب.
كانت في الماضي تخيفني، لأنني كنت أراها قسوة، أما الآن فأراها عاطفة من نوعٍ آخر، عاطفة تجاه النفس التي أنهكها الرضا الزائف.
أقول “لا” لا لأغلق بابًا، بل لأفتح نافذة أتنفس منها حقيقتي.
هي صديقتي في طريق الاتزان، ومرآتي حين يختلط في قلبي الطيب بالضعف.
وفي النهاية، تبقى “لا” كلمةً تُقسم العالم إلى وجهين: وجهٍ يرضى بالركود، وآخر يسعى نحو الوعي.
ليست نفيًا للحياة، بل إثباتًا للذات.
هي ضوء صغير في نفقٍ طويل، من امتلك شجاعته ليقوله، امتلك نجاته.
ففي عالمٍ يثمن الطاعة أكثر من التفكير، تصبح “لا” فعلًا من أفعال الشجاعة النادرة، وصوتًا خافتًا لكنه صادق، يُعيد للإنسان ملامحه التي ضاعت في زحام “نعم”.
إنها الكلمة التي لا تُغيّر الموقف فحسب، بل قد تُغيّر المصير كله.








































