آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة عبد الحميد ابراهيم
  5. الخسارة المؤجلة
⭐ 5 / 5
عدد المصوّتين: 43

بعض الأذى لا يحتاج صراخًا ولا مواجهة مباشرة ليترك أثره. يكفي أن يتكرر، أن يجيء على فترات، وأن يضعك في حالة عدم يقين. تجد نفسك مرهقًا دون حدثٍ واضح، متوترًا دون سببٍ مباشر، وكأن داخلك شيء يُستنزف ببطء. هذا النوع من الأذى لا يرتبط بنوع علاقة بعينها؛ قد يأتي من أقرب الناس، من بيئة عمل، من صديق قديم، أو من مسؤول يُفترض أن يكون مصدر أمان لا قلق.

في البداية، يحاول الإنسان أن يفهم. الفهم يبدو حلًا منطقيًا، لكنه كثيرًا ما يتحول إلى فخ نفسي. نُحلل الكلمات، نراجع التصرفات، ونبحث عن نية مخفية تبرر ما حدث. ومع الوقت، يصبح العقل ساحة مفتوحة للأسئلة أكثر من كونه أداة وعي. وهنا تبدأ دائرة خفية في التكوّن، دائرة لا تُرى لكنها تُستنزف فيها الطاقة بلا رحمة.

هذه هي دائرة القلق.

المساحة النفسية التي ينشغل فيها الإنسان بكل ما لا يملك السيطرة عليه: لماذا تصرّف الآخر بهذه الطريقة؟ هل كان يقصد الأذى؟ هل سيتغير؟ ماذا لو تكرر الأمر؟ هل المشكلة فيّ؟ داخل هذه الدائرة، يتضخم الأذى لأن العقل يعيد إنتاجه باستمرار. لا تعيش الحدث مرة واحدة، بل تعيشه عشرات المرات في رأسك. وكما يشير الدكتور محمد طه، فإن الإفراط في محاولة الفهم داخل العلاقات غير الآمنة لا يؤدي إلى الطمأنينة، بل يُربك الإحساس بالذات ويُضعف الثقة الداخلية.

 

الخطر الحقيقي في دائرة القلق أنها تُشعرك بأنك تفعل شيئًا، بينما في الحقيقة أنت تُستنزف فقط. لا يتغير الواقع، ولا تتبدل العلاقة، لكنك تفقد هدوءك تدريجيًا، وتبدأ في الشك في مشاعرك، ثم في تقديرك للأمور، وربما في قيمتك نفسها. ومع الوقت، قد تعتاد هذا الوضع، فتظن أن القلق ثمن طبيعي لأي علاقة، بينما هو في الحقيقة إنذار مبكر بأن هناك خللًا لم يُواجه.

 

في المقابل، توجد مساحة أخرى أقل ضجيجًا لكنها أكثر أمانًا، مساحة لا تعتمد على تغير الآخرين، بل على وعيك أنت. هذه المساحة تُسمّى دائرة التأثير. وهي كل ما يقع تحت سيطرتك: ردود أفعالك، حدودك، قراراتك، وطريقة إدارتك للأذى حين يحدث. هنا لا تختفي المشكلة، لكنها تتوقف عن ابتلاعك.

 

دائرة التأثير لا تُنكر الألم، لكنها ترفض الدوران حوله بلا نهاية. بدلًا من سؤال: لماذا يفعل الآخر ذلك؟ يظهر سؤال أكثر نضجًا وأقسى أحيانًا: ماذا أفعل أنا حين يتكرر هذا السلوك؟ وهنا يبدأ التحول الحقيقي، لأنك تنتقل من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن الانتظار إلى القرار.

 

الدكتور مصطفى النحاس يؤكد أن الإنسان لا يُرهقه ما يحدث له بقدر ما يُرهقه شعوره بالعجز. ودائرة التأثير تُعيد للإنسان هذا الإحساس المفقود بالقدرة، حتى إن لم يتغير الطرف الآخر. أنت لا تتحكم في أخلاق الناس، لكنك تتحكم في المساحة التي تسمح لهم أن يتحركوا داخلها في حياتك.

 

في العلاقات الأسرية، قد لا تستطيع تغيير طبعٍ متجذر، لكنك تستطيع أن تحمي نفسك نفسيًا. في العمل، قد لا تتحكم في بيئة مضطربة، لكنك تتحكم في مدى سماحك للاستهانة أن تمس قيمتك. في الصداقة، قد لا تستطيع فرض الوفاء، لكنك تستطيع أن تقرر إن كان هذا النمط يستحق البقاء. المشكلة ليست في وجود الأذى، بل في بقائك طويلًا داخل دائرة لا تملك فيها سوى القلق.

 

وهنا يحدث الاصطدام الحقيقي. حين تفهم الفرق بين دائرة القلق ودائرة التأثير، تصطدم بحقيقة موجعة: ليس كل ما آذاك كان لأنك ضعيف، بل لأنك بقيت طويلًا في مساحة لا تُنقذك. تدرك أن بعض الألم لم يكن قدرًا، بل اختيارًا مؤجلًا، وأنك كنت تعرف في داخلك ما يجب فعله، لكنك كنت تؤجله خوفًا من الخسارة.

 

الصدمة الأعمق ليست في أذى الآخرين، بل في اكتشاف عدد المرات التي خذلتَ فيها نفسك وأنت تبرر لهم. عدد المرات التي صمتَّ فيها حفاظًا على علاقة، أو تحمّلتَ فيها ما لا يُحتمل باسم الأخلاق أو المسؤولية أو العِشرة. عند هذه النقطة، يتضح أن البقاء داخل دائرة القلق لم يكن وعيًا ولا وفاءً، بل خوفًا مقنّعًا.

 

في هذه اللحظة، يتغير السؤال الداخلي. لا يعود: من أخطأ؟ بل: كم كلفني هذا الخطأ من نفسي؟

وحين تختار أخيرًا دائرة التأثير، لا تأتي الراحة فورًا. يأتي فراغ. فراغ لأنك توقفت عن الدوران، عن التبرير، عن محاولة إنقاذ ما لا يريد أن يُنقَذ. فراغ موجع، لكنه صادق.

 

وهنا فقط تظهر الحقيقة القاسية: السلام النفسي لا يأتي مع الجميع، وبعض العلاقات لا تنتهي لأنها سيئة، بل لأنها استهلكت دورها في حياتك. الخروج من دائرة القلق لا يجعلك أقوى في نظر الآخرين، لكنه يجعلك أكثر صدقًا مع نفسك. وهذا النوع من الصدق لا يُصفّق له أحد، لكنه الوحيد القادر على إنقاذك.

 

في النهاية، أخطر ما قد يحدث لك ليس أن تُؤذى، بل أن تعتاد الأذى حتى تظنه طبيعيًا. وأعمق أشكال الشفاء ليست في أن يتغير العالم من حولك، بل في أن تقرر أخيرًا ألا تُكمل الدوران في المكان الخطأ، حتى لو كان الثمن أن تمشي وحدك.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب384107
2الكاتبمدونة نهلة حمودة245573
3الكاتبمدونة ياسر سلمي215909
4الكاتبمدونة زينب حمدي183050
5الكاتبمدونة اشرف الكرم158587
6الكاتبمدونة سمير حماد 126156
7الكاتبمدونة مني امين123121
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين118996
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي115703
10الكاتبمدونة طلبة رضوان114278

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02

المتواجدون حالياً

6188 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع