لم تخنْ، بل كنتَ أصدقَ منْ دمي
في زمنٍ قد خانَ فيهِ المُلهمُ
لم تخنْ، بل كنتَ أجملَ من رؤى
عينيَّ حين تَشظّى المُبهمُ
لم تخنْ، بل كنتَ تسكنني كما
يسكنُ الغمامُ مواطنًا لا يُعلمُ
كم قلتَ لي: الأيامُ ترهقنا، ولكنْ
سنبقى رغمَها لا ننهزمُ
لم تخنْ، بل جئتَ في وقتِ الخُطى
تتعثّرُ الآمالُ فيها وتُعدمُ
زرعتَ في قلبي سنابلَ حُبّنا
وسقيتَ بالذكرى الغصونَ لتزهرُ
لم تخنْ، بل كنتَ تعرفُ أنني
أنسى الزمانَ إذا ابتسَمتَ وأحلمُ
تركتَني؟ كلا، ولكنْ لم تزلْ
في القلبِ، لا أمحوكَ، لا أتكتمُ
خذني إليكَ كأمنيةٍ وُئِدتْ
لكنها في خاطري تتعاظمُ
خذني إليكَ، فكلُّ ليلٍ بعدَنا
صارَ البكاءُ بهِ نشيدَ الترجُّمِ
يا مَن زرعتَ الصدقَ في أضلاعهِ
هذا الغيابُ حكايةٌ لا تُفهمُ
أألومُ قلبي؟ إنّهُ ما خانني
لكنَّهُ بكَ في العذابِ تكرَّمُ
تُبكي الطيورُ على الغصونِ كأنها
علمتْ فراقَكَ في الصباحِ الأظلمِ
وسمعتُ صوتَكَ في السكونِ مواسياً
“لم أخنْكِ، لكنّ دربَكِ مُعتمُ”
هل كنتَ تدري أنني لو خُيّرتُ
لجعلتُ حبَّك موطني والمَحرمُ؟
هل كنتَ تدري أنني قد عشتُ في
ظلِّ العيونِ، ولم أزلْ أتألمُ؟
يا من إذا ذُكرتْ خطاهُ تنحني
كلُّ الجهاتِ وتَنتشي وتُسلِّمُ
لم تخنْ، لا، بل رحلتَ مضطرّاً
كأنكَ الفجرُ الحزينُ المُبهمُ
وأنا التي أحببتُ فيك طفولتِي
وملامحَ الأيّامِ حين تبسُّمُ
كلُّ الشوارعِ بعدَ صوتكَ وحشةٌ
والصمتُ بعدكَ في الضلوعِ يُترجَمُ
لم يبقَ منكَ سوى الغيابِ رسالةٌ
فيها التحيّةُ والحنينُ المُعتمُ
ما زلتُ أحفظُ كلَّ شيءٍ قلتَهُ
وكأنَّ نبضَ الحُبِّ لا يتقدَّمُ
ما زلتُ أرسمُ في الهواءِ ملامحاً
منها الأمانُ ومنها صوتُكَ يُلهِمُ
لم تخنْ، بل كنتَ تعرفُ أنّني
أنسى الجراحَ إذا أتيتَ وأُسلِمُ
لكنَّهم كتبوا عليَّ نهايةً
لم تكتبَ الحرفَ الأخيرَ وتُختمُ
هل تسمعُ الآنَ القصيدةَ؟ إنني
أبكيكَ بيتاً والحنينُ يُترجَمُ
قل لي: أما زلتَ الذي قد كنتَهُ؟
أما زلتَ للحبِّ العظيمِ مُعلَّمُ؟
لم تخنْ، بل غادرتَ قبل وداعِنا
ووداعُنا ما زالَ حُزنًا يُكرَمُ
ما زلتُ أحيا في هواكَ كأنني
قَسمٌ على شرفِ الغيابِ مُحرَّمُ
لم تخنْ… بل كنتَ آخرَ من يُخونْ،
لكنَّني… كنتُ الأشدَّ تألمُ.









































