في هذا العصرِ المنزوعِ البركة، تمشي النفوسُ التائهةُ بين الناس بأجسادٍ حاضرةٍ وقلوبٍ غائبة، تبحث عن شيءٍ لا تعرف له اسمًا، وتشتاق إلى سكينةٍ نسيت طريقها إليها. كثُرت الأضواءُ حتى عَمِيَت البصائر، وتسارعت الخطواتُ حتى ضاع المعنى، فصار الوقتُ كثيرًا والطمأنينةُ نادرة.
نفوسٌ أرهقها الضجيج، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها أُجبرت أن تعيش على إيقاعٍ لا يشبه فطرتها. تُحدّق في الشاشات أكثر مما تنظر إلى السماء، تحفظ أرقامًا وأسماءً وتنسى الدعاء، تعرف أخبارَ العالم كلَّه وتجهل ما يجري في داخلها. تُراكم الإنجازات وتُهمل الروح، فتذبل من غير أن يلحظ أحد.
وفي زمنٍ تُقاس فيه القيمةُ بالظهور لا بالصدق، ضاعت القلوب بين المقارنات، وصار الرضا عملةً نادرة. يتجمّل الحزنُ في صورٍ مبتسمة، ويُخبَّأ الانكسارُ خلف كلماتٍ عابرة، حتى غدت النفوسُ تخجل من ضعفها، وتخاف أن تعترف بحاجتها إلى الله، وإلى الإنسان، وإلى لحظةِ سكونٍ صادقة.
لكنّ النفوسَ التائهة—مهما طال تيهُها—لا تموت. فيها بقيةُ نورٍ لا تنطفئ، وحنينٌ قديمٌ إلى البركة حين كانت تُستمدّ من القرب، لا من الكثرة، ومن الخلوة، لا من الزحام. يكفيها أن تتخفّف قليلًا، أن تعود إلى البدايات: صلاةٍ بخشوع، دعاءٍ بلا تكلّف، دمعةٍ صادقةٍ في جوف الليل، فتستعيد الروحُ وزنها الحقيقي.
فالبركةُ لا تُفقد من الأعمار، بل من القلوب إذا ابتعدت. وإذا عرفت النفسُ طريقها إلى الله، عاد الزمنُ رحيمًا، وصار القليلُ كثيرًا، وعاد للروح موطنُها بعد طول اغتراب.. 💕








































