زعموا أن الهوى طيش، وأن القلب إذا استرسل ضلّ، وأن السلامة في البرود.
فكان الجواب سكوتًا أطول من حججهم، ثم معنى ينهض من بين الضلوع: ليس كل ما اشتدّ هلاكًا، ولا كل ما لَانَ ضعفًا، إنما الضعف أن يُطفأ في الإنسان ما يُحييه.
.
توهموا أن الغياب يمحو، وأن الأثر إذا بَعُد تلاشى، وأن القلوب تُبدّل كما تُبدَّل الأثواب.
وغاب عنهم أن القلب إذا عَرَف، لم ينسخ معرفته، وإذا سكنه اسم، صار الاسم وطنًا، والوطن لا يُستبدل.
.
عدّوا التعلّق مهلكة، ورأوا النجاة في الانفصال.
وما دروا أن المهلكة في التعلّق بما يفنى، أما التعلّق بما يُنقّي الروح فرفعةٌ وإن أوجعت، وسموٌّ وإن أبطأ.
.
احتجّوا بالواقع، وقالوا: لا موضع للرِّقَّة في زمنٍ قاسٍ.
ولو علموا، لأدركوا أن القسوة وليدةُ قلوبٍ جفّت، وأن الرِّقَّة ليست ضعفًا، بل توازنٌ دقيق يحفظ الإنسان من التحوّل إلى آلة.
.
حسبوا النسيان فضيلة، وظنّوه علامة تعافٍ.
والحقّ أن النسيان حظّ من لم يلامس العمق، أما من ذاق، فإن الذكرى عنده تتحوّل: إمّا نورًا يهديه، وإمّا دعاءً يُسرّ به إلى الله.
.
الحب ليس صخبًا، ولا امتلاكًا، ولا حضورًا يملأ الفراغ.
الحب أثرٌ يستقر، ومعنى يُهذّب، وسِرٌّ إذا دخل القلب علّمه الصبر دون مذلّة، والانتظار دون شكوى.
.
يا هذا… ليس كل ما لا يُرى معدومًا، ولا كل ما لا يُمسَك وهمًا، ولا كل ما لا يُقاس باطلًا.
إنما أثقل الحقائق وزنًا هي تلك التي تُحمل في الصدر، وتُصان بالصمت، وتُعرف عند الفقد.
نحن قومٌ إذا أحببنا، لم نُخاصم الحياة، بل فهمناها.
وما بقي بعد ذلك، فزَبَدٌ… يمضي.








































