مما أثر عن عن العرب في أخلاقهم ، أنهم كانوا يأبون في النزال - يعني مبارزة الخصوم في المعارك - إلا أكفاءهم ، فالفارس لايبارز إلا فارسا والقائد لايبارز إلا قائدا ،ومبارزة الأدون عندهم عار ودمار ، مع أن الفوز عليه محسوم ، ولهم أشعار في ذلك كثيرة و مأثورة .
بل إن مبارزة القائد عندهم دائما تكون هي الهدف ، لأنه إذا جرح أو قتل كان النصر ، أما إنهاك القوة في منازلة الجنود حشو الصفوف ، فهذا ليس من الفطنة في شيء .
وكانوا يأبون كذلك منازلة الأعزل من السلاح مهما اشتد خطره ، وإنما كانوا يمدونه أولا بالسلاح ثم يبارزونه.
وهذه الأخلاق العربية انسحبت حتى شملت المعنويات ، فالعالم لايناظر الا كفأه في العلم ، ويأبى أشد الإباء مناظرة من دونه أو حتى محاورته ،أما من يلبسون لباس العلماء على جهل ونقيصة وخواء فكري وخلقي ، ولايجيدون سوى السفسطة ولغة الجدل ، فهؤلاء كانوا يحرصون أشد الحرص على أن لايعطونهم الفرصة للصعود على أكتافهم في معركة محسومة لصالح الجهل وأهله .
وهذا هو ما عبر عنه الشافعي بدقة حين قال : ماجادلت جاهلا قط إلا غلبني ولاعالما إلا غلبته.
فالعالم شأنه التسليم للحقيقة والإذعان لها ، أما الجاهل فكل همه الصعود على كتف هذا العالم ، ومثله المتعالم المغمور ، ولكن العلماء أجل من أن يمكنوهم من ذلك وأزكى..
يلوذون كثيرا بالصمت وربما الانسحاب الآمن ، لأنهم ينشدون السلامة من هؤلاء وتوقحههم على الكبار " واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"





































