تشبه الحياة كثيرًا عقارب الساعة،
لا لأنها تتحرك فحسب، بل لأنها ما إن تتحرك فلا تعود إلى الوراء أبدًا.
في الحياة كل ما نملكه هو خياران لا ثالث لهما:
أن ننتبه… أو نُهمل، أن نُدرك اللحظة فنعيشها بكل تفاصيلها… أو نفقدها إلى الأبد.
فالزمن، عندما يغادر، لا يطلب الإذن بالعودة، ولا يمنح أي فرص إضافية لمن لم يكن حاضرًا ويقظًا.
العقرب الأول
"عقرب الثواني"
الثواني هي أصغر وحدات الوقت، لكنها أخطرها.
في ثانية واحدة قد نتخذ قرارًا يغيّر مسار حياتنا، أو نتردد فنترك الفرصة تمر بلا عودة.
هي لحظات نعدّها عابرة، بينما هي في الحقيقة اللبنات الأولى لمصائرنا.
الوعي بالثواني يعني الانتباه للتفاصيل البسيطة: للكلمة، للنظرة، لردود الأفعال.
فمن لا يحترم الثانية، سيخسر ما يليها من دقائق وساعات دون أن يشعر.
تذكّروا دومًا أن هناك ثانية واحدة قد تكون فارقة في الحياة كلها.
العقرب الثاني
"عقرب الدقائق"
وهو الذي يمثل تلك المساحة من المراجعة والتفكير بنضج.
الدقائق هي لحظات الوقوف مع الذات، حيث نراجع أنفسنا قبل أن ندخل دوامة الحياة.
في الدقائق نُصحّح المسار، نُعيد ترتيب أفكارنا، ونواجه أخطاءنا بدل الهروب منها.
هي فرص صغيرة للتعلّم، لكن من يهملها تتحول أخطاؤه إلى عادات، وتتحول عاداته إلى قيود تجرّه إلى الخلف وتُثقِل روحه.
العقرب الثالث
"عقرب الساعات"
وهو الذي يمثل وقت الانتظار والاستعداد.
الساعات تمثل مرحلة الترقّب،
حيث ننتظر نتائج اختياراتنا،
أو نستعد لما هو قادم.
هي زمن الصبر والعمل الصامت،
وبناء النفس بعيدًا عن الضجيج.
غير أن الخطر كل الخطر أن يتحول الانتظار إلى شلل، وأن يصبح الترقّب ذريعة للتأجيل.
الساعات لا تطلب منك الخوف،
بل تطلب منك الاستعداد، واتخاذ القرارات الهامة دون خوف من الفشل أو خسارة التحديات.
"العقرب الخفي"
هناك عقرب خفي لا يظهر فوق الشاشة، عقرب يراقب جميع العقارب دون أن يتداخل معها.
"المنبه"
وهو يمثل لحظة المواجهة، ذلك الصوت الذي لا يمكن تجاهله.
قد يكون موقفًا، أزمة، خسارة،
أو فرصة أخيرة لا تتكرّر.
هو رسالة واضحة من الحياة:
فإمّا أن تستيقظ الآن، أو تدفع ثمن الغفلة لاحقًا.
المنبّه لا يوقظ النائمين فقط،
بل يفضح أولئك الذين تظاهروا بالاستيقاظ.
دورة عقارب الساعة لا تتوقف، وكذلك الحياة؛
فهي لا تتوقف عند خطأ، ولا تنتظر ندمًا طويلًا.
هي دورة مستمرة ما بين:
ثوانٍ نختار ونقرر فيها، ودقائق نراجع فيها، وساعات ننتظر خلالها حصاد ما زرعناه طوال اليوم، ثم منبّه يعلن لحظة الحساب.
وما بين كل دورة وأخرى يتشكّل واقع الإنسان… فإمّا فشل أو نجاح، حزن أو سعادة، راحة أو شقاء، أو مزيج ما بين كل ذلك.
في كل الحالات، عليك الانتباه؛
فحين تلدغك عقارب الحياة، قد لا تنجو أبدًا.
عقارب الساعة ليست مجرد مؤشرات للوقت، بل تشبه صعوبات الحياة التي تباغتنا على حين غرة، تحديات وصعوبات في ظاهرها صامتة، وفي باطنها وجع يميت الروح ببطء.
في حياة كل منا عقارب حقيقية ليست كعقارب الساعة، عقارب إن لم تواجهها في وقتها، وإن لم تمسك بها بحزم، ستلدغك دون سابق إنذار، وتبث سمومها ببطء في تفاصيل أيامك، فتفسد طمأنينتك، وتنهك روحك، وتحوّل الانتظار إلى ندم، والصمت إلى خسارة.
الحياة لا تُسامح المترددين طويلًا، ولا ترحم من يكتفي بالمراقبة.
فإمّا أن تواجه عقاربها بشجاعة،
أو تتركها تدور… حتى تأتيك اللدغة، وحينها لن يكون الوقت في صفّك، ولن تصفو لك الحياة.








































