جاءت كلماته كلكماتٍ متتابعة، حين يطلقها عالمٌ بأمور الواقع، لتتلاقي عندي مع أفكارٍ تموج بالكثير من رفض هذا الواقع المأزوم، ذلك لأنها كلمات ترسم الحقيقة، وتصف الواقع الدولي بكل آلامه واحباطاته.
إنها كلمات رئيس وزراء كندا في منتدى "دافوس" التي أعادتني إلى أوائل التسعينيات من القرن الماضي، حين تجرعنا مفهوم النظام العالمي الجديد ووجوب الانسياق له، تجرعناه -على مرارته- أملا في الحماية والرعاية والأمن العالمي والعدالة الدولية، ولم نكن نعلم أنه سيبتلعنا يومًا ما.
واليوم، وقد استيقظنا على انهيار الأماني وانتهاء الأوهام، بل والانتباه من النوم الذي أراده لنا الآخر المتغطرس، حتى يأخذ وقته الكافي في ترتيب أوراقه من حيث القوة والهيمنة اقتصاديًا وعسكريًا، وأيضًا تسويقيًا لفكرة وجوب الانصياع لهذا النظام العالمي الذي كان حينها جديد، كسياسات ونظم تجارة عالمية وتبعيات محددة إلى غير ذلك، والذي كانوا يَدعون إليه كما لو كان هذا النظام هو المُنقِذ الوحيد لهذا العالم، بعد أن سقطت الكتلة الشرقية التي كانت حينها بقيادة الاتحاد السوفيتي.
لم نكن نعلم بسوء النوايا ولا رغبتهم في إتاحة الوقت والمجال لهذا المتغطرس، حتى يستطيع أن يهيمن في يومٍ ما على مقاليد حكم العالم كما هو الآن، وأعتقد بأن ساعه الصفر للانقلاب على القواعد الدولية المشتركة وعلى المؤسسات العالمية، لم يحددها الرئيس الحالي لتلك الولايات بشكلٍ منفرد، بل تم تحديدها استراتيجيًا من ذي قبل، وبشكل متفق عليه بأن تكون ساعة الصفر حين ظهور قوة عالمية أخرى في أي وقت، وقد حدث ذلك بظهور قوة الصين وخصوصًا في حالة تكاملها الحالي مع روسيا، وهذا الذي أطلق شرارة البدء التي يرون فيها وجوب الانقلاب على العالم، ليتحكموا فيه حسبما توجههم إليه مصالحهم وفقط، دون أي اعتبار لأي قيم أو مبادئ تم الاتفاق عليها عالميًا فيما مضى، ودون اهتمام بالمؤسسات الدولية التي تحفظ السلم الدولي، حيث لا قيمة لديهم لمؤسسات العدل الدولية أو الأممية ولا غيرها.
وفي تصوري إن هذا الحال الذي يصدِم العالم اليوم، هو ليس مجرد سقطة عابرة من ولايات متحدة متغطرسة، لا ترى إلا مصالحها،
ولكنه كان خطأً جسيمًا وقعت فيه كل الدول وبخاصة دولنا العربية، حين اقنعنا أنفسنا بتلك الأكذوبة التي تحدث عنها رئيس وزراء كندا بكل وضوح، حين صدَّقنا أن الاتباع والاتكالية على قواعد عالمية وأممية هشة هي المنقِذ لبقاء الدول، وتناسينا أن المنقذ هو بناء قوة الدول الذاتية اقتصاديًا وعسكريًا واجتماعيًا وأيضًا عقائديًا.
نحن نحتاج اليوم بشدة، إلى لملمة أشلاء دولنا العربية، لنرسم استراتيجيات البقاء، ومقاومة الإنهاء والبعثرة التي بدأت بالثورات اللاواعية في بلادنا العربية، وأن نرقى إلى مستوى الأحداث بقيام اتحادات الدول الضعيفة، وليس فقط كما يدعو رئيس وزراء كندا بتكامل الدول المتوسطة.
حيث أنه بالفعل، ستكون بعض الدول على مائدة المتغطرس الاوحد بشكل متتالي، ولا عزاء لمن سيكونون جزءًا من قائمة الطعام لهذا المتغطرس الجديد.








































