أحب النوافذ… أحب فرط التأويلات خلفها… أحب تلك الفكرة التي تؤرق شرود الفراغ، وتفتح مسارب الضوء وتصادق زهد النظرات في استراحاتها... أحب تفاصيلها: مغاليقها النحاسية، الإفريز الذي يتكئ عليه أصيص زهور أو حبل غسيل، والدرفة نصف المفتوحة على "نتفة سما" النوافذ صديقة الوقت، الانتظار، والتأملات المحتملة، وكل ما قد يكون. تحمل النوافذ صفة التلميح، ومجازات ما لا يكتمل، كما لو أنها مسافة بين اقترابين تراوغ الفراغ وتؤسس من خلاله عتبات الرؤية التي تستفيض كلما شردنا فيها أكثر... لعل أكثر ما يفسّر انشغالي بالنوافذ وجمالياتها هو الفن بكل أشكاله؛ ففي أحد أعمال الفنان الفرنسي بيير بونارد المعروف برسام الضوء والحميمية يقدم لنا لقطة جمالية عن اليومي وتفاصيله المألوفة بريشته الانطباعية في لوحته التي ترصد مشهداً للنافذة المفتوحة على الحديقة والتي تكاد تستنطق أكثر ألوان الحياة ألفة وسكينة..ذلك الفن الذي يحاول توثيق اللحظة العابرة وتحويلها إلى جوهر إنساني عبر ألوان الحياة الأقرب لمفردات الطمأنينة والسكينة، ورونق الوقت المستغرق في تأملاته.. وكذلك في فيلم La vita è bella الإيطالي للمخرج روبرتو بينيني، يحتفي المشهد بأشكال النوافذ وتفاصيلها وأبعادها الفنية. تتفرد مشاهد النوافذ في السينما برهافة تصويرية خاصة، تشعرك أن الضوء فيها لا ينفد، بل يتسلل، يباغت، يلامس، أو يهمس. كمن لا يقول الجمال مباشرة، بل يومي إليه، يلمح له عبر إطار، ضوء خافت، ستارة تتحرك بخفة أو تعريشة تتدلّى بعشوائية. تلك الحميمة في الصور والمشاهد، سواء داخل السينما أو في الحياة تفتح مجال التأويلات في مخيلتي وتشرد بي في فضاءات الدهشة القديمة للأشياء غير المكتملة.. ربما أجد في الفن ما لا أستطيع تفسيره عن النوافذ، وانشغالي بتلك الفكرة اليومية التي تفتح في الفراغ معنى لشيء ما... يقول لاركن في إحدى قصائده: "بدل الكلمات تأتي فكرة النوافذ العالية..."








































