ليس كل اجتماع لقاء،
وليس كل اقتراب حضورًا.
اللقاء الحقيقي نادر، لأنه لا يقوم على الكثرة، بل على الدقّة؛
على تلك اللحظة التي يتوقّف فيها الإنسان عن الشرح، لأن أحدهم فهمه دون أن يطلب تفسيرًا.
اللقاء الحقيقي لا يلغِي الوحدة،
ولا يَعِد بالامتلاء الدائم،
لكنه يخفف من ثقل الفراغ،
ويمنح المعنى مساحة يتنفس فيها.
هو لا يحدث حين نكون في أفضل حالاتنا،
بل غالبًا حين نكون أقل تماسكًا،
أكثر صدقًا،
أقرب إلى ذواتنا دون زينة.
لحظة نُسمح فيها بأن نكون غير مكتملين،
دون خوف من أن نُقاس، أو نُصحَّح، أو نُطالَب بأن نكون أفضل مما نحن عليه.
اللقاء الحقيقي يُقاس بالأثر، لا بالمدّة.
قد يكون صمتًا قصيرًا،
نظرة لم تَعبُر،
جملة وُضِعت في مكانها الصحيح فأنقذت مساءً كاملًا من الانهيار.
هو ذاك الإحساس الخفي بأن وجودك لم يذهب سُدًى،
وأن كلماتك لم تسقط في فراغ.
في هذا اللقاء، تسقط الأقنعة بلا إعلان.
لا حاجة لأن تكون قويًا،
ولا أن تبدو بخير،
ولا أن تبرّر تعبك.
يكفي أن تكون حاضرًا،
حضورًا لا يضغط، ولا يراقب، ولا يُصلِح.
لكن المفارقة الأعمق أن هذا اللقاء لا يبدأ بالآخر.
يبدأ حين تتوقف عن الهروب من نفسك،
حين تجلس مع وحدتك دون عداء،
وتسمح لها أن تكون جزءًا من نسيجك، لا عيبًا يجب إخفاؤه.
اللقاء الداخلي ليس حلًا نهائيًا،
لكنه شرط ضروري:
من لم يلتقِ بنفسه، سيطلب من الآخرين ما لا يستطيعون منحه.
واللقاء الحقيقي—حين يحدث—لا يدّعي الدوام.
قد يكون عابرًا،
قد يمرّ كضوءٍ خفيف في يومٍ معتم،
لكنه يترك علامة.
يجعلك أقل قسوة على وحدتك،
أقل استعجالًا في ملء الفراغ،
وأكثر فهمًا لما يستحق أن يُنتظر.
بعده، لا تعود الوحدة كما كانت.
لا تختفي،
لكنها تفقد حدّتها.
تصبح مساحة للتأمل لا عقوبة،
وسكونًا لا نفيًا.
وهكذا تكتمل الدائرة:
من وحدة لا تُرى،
إلى وحدة تُرى أكثر مما يُحتمل،
إلى لقاء لا يَعِد بالخلاص…
لكنه يثبت، ولو مرة،
أن الحضور ممكن،
وأن الأثر—حين يحدث—يكفي.








































