كانت الدُّنيا في يومٍ من الأيَّام تتخبَّطُ في ظُلُماتٍ وَعرةٍ لا يُرى لها صُبح، تُشعِلُ المعاركَ لأتْفهِ الأسبابِ، دُنيا لا تَعرِفُ هدفًا، ولا تَعيشُ لِغايةٍ، تَتَرنَّحُ في غابات الذِّئابِ، وأمواج الدِّماءِ، ودُهور الغِيابِ والغَيبوبةِ، وهي فترةُ الجاهليَّةِ الأولى التي نَعرفُها.
ثم أشرقتْ على هذه الدُّنيا رسالةُ السَّماءِ الأخيرةُ بمبعثِ رسولِنا محمَّدٍ ﷺ، فناداها بالعلمِ، والعَدلِ، والطُّهرِ، والحبِّ، والسَّماحةِ، وعلوِّ الهِمَّةِ؛ فأصبحتْ أمةَ علمٍ بعد جهلٍ، وعقلٍ وفكرٍ بعد تقليدٍ جامدٍ، وأصبحت أمةً ذاتَ سيادةٍ وهُويَّةٍ، لها قرارٌ وإرادةٌ حُرَّةٌ، وتلك أُمَّةُ العِلمِ والحضارةِ التي خرَّجت – بعد أجيالِ الصَّحابةِ والتَّابعين – عُلماءَ برزوا كالشَّمسِ في أفقِها، ملؤوا سمعَ الزمانِ وبصرَهُ في كافَّةِ المجالاتِ.
ثم دار الزمانُ دورتَهُ، وتقدَّمت أممٌ لم تكن تعرفُ عن التقدُّم سوى اسمِه المرتبطِ بالعربِ والمُسلمين، وهو أمرٌ طبيعيٌّ؛ فدوامُ الحالِ من المُحالِ، وتلك الأيامُ نُداوِلُها بينَ النَّاسِ.
ولكنْ شتَّانَ بين حضارةِ المسلمين الأوائلِ، وبين حضارةِ القرنِ الواحدِ والعشرين!
شتَّانَ، شتَّانَ بين حضارةٍ كانت تبتكرُ العلومَ لخدمةِ العبادِ، ونشرِ السَّلامِ والاستقرارِ بين المُجتمعاتِ...
وبينَ حضارةِ اليومِ، التي تتفنَّنُ في صناعةِ الذُّعرِ والخوفِ والرُّعبِ بينَ الناسِ.
تلك الحضارةُ الزائفةُ التي تدَّعي أنّها تتربَّعُ على عرشِ العلومِ، وهو كلامٌ ليس صحيحًا كلُّه؛
بل الحقُّ أنَّهم حوَّلوا العلمَ إلى نقيضِهِ، وجعلوهُ أداةً للظُّلمِ والبطشِ.
فعادت الجاهليَّةُ الأولى من جديدٍ تحتضنُ علمَ القرنِ الواحدِ والعشرين وحضارتهِ، ولكنْ في ثوبٍ حديثٍ مُعاصِرٍ، منسوجٍ بزخارفِ التِّكنولوجيا والتَّحضُّرِ الفارغِ من جوهرهِ... وتلك – واللهِ – جاهليَّةُ العِلمِ!
سبحانَ اللهِ، ما أعجبَ أمرَ الإنسانِ!
أجهزةٌ إلكترونيَّةٌ تُستَخدَمُ في التَّهكيرِ والسَّرقةِ...
ذَرَّةٌ تُسخَّرُ في الأسلحةِ النوويَّةِ...
مصانعُ تُلوِّثُ البيئةَ...
مُبيداتٌ تقضي على حياةِ الإنسانِ...
أقمارٌ صناعيَّةٌ تتلصَّصُ وتتجسَّسُ على الدُّولِ...
ذَكاءٌ اصطناعيٌّ مُدلِّسٌ يُهدِّدُ الإنسانَ...
حروبٌ كيميائيَّةٌ وبيولوجيَّةٌ تنخُرُ أعصابَ البلادِ واقتصادَهُ...
كيمياءُ تُسخَّرُ لإنتاجِ المُخدِّراتِ...
إشعاعٌ يُدمِّرُ الخلايا...
ضوضاءٌ يتأذَّى بها الجمادُ قبل الحيوانِ...
برامجٌ مغشوشةٌ تقتلُ المروءَةَ والحياءَ...
مواقعٌ تُضخِّمُ الرَّذائلَ وتتغاضى عن الفضائلِ...
تكنولوجيا أراحَتِ الناسَ حتى أُصيبوا بأمراضِ الكُسالى...
فضائيَّاتٌ هدفُها إفراغُ العقولِ والنُّفوسِ من تعاليمِ الدِّينِ...
أساليبُ التربيةِ الحديثةِ التي لم تُثمِرْ سوى التخنُّثِ، والعارِ، وفضلاتِ البشرِ... و... و... و...
هذه هي حضارةُ القرنِ الواحدِ والعشرين!
عِلمٌ هائلٌ يتقدَّمُ كلَّ يومٍ، في عَالمٍ تتضَاءلُ فيه الرَّحمةُ كلَّ يومٍ، ويَذبُلُ فيه الحبُّ، مُفسِحًا الطريقَ إلى جاهليَّةٍ شرسةٍ مُخيفةٍ.
ولو أنَّ الإنسانَ سخَّرها للنَّفعِ، والاستقرارِ، وصناعةِ القيَمِ، وتجديدِ عهدِ الناسِ بمعاني الإنسانيَّةِ، لكان خيرًا وأبقى.
وهكذا بدأت المسيرةُ بالجاهليَّةِ... ثم جاء الإسلامُ بالعلمِ والأخلاقِ... ثم نهضت العلومُ وحدَها دون الأخلاقِ، حتى اكتسَت بثوبِ الجاهليَّةِ.
والمطلوبُ منَّا الآن – على عَجَلٍ – هو إبعادُ تلك الجاهليَّةِ عن الحضارةِ المُعاصرةِ، وتخليصُها من دَنَسِ الكراهيَّةِ والأنانيَّةِ والغطرسةِ، وإلباسُها ثوبَ التقوى، والأخلاقِ، والإنسانيَّةِ؛ حتى يعمَّ السَّلامُ شرقًا وغربًا، كما عمَّ البلادَ من قبلُ!





































