أرى من وجهة نظري أن لفظة الأديب لا تقتصر فقط على المبدع، وإنما قد يشاركه فيها القارئ المتلقي والمتذوق لهذا الأدب، فهما شريكان في عملية مكتملة هذا يبدع وهذا يتذوق، ولو لم يوجد المتذوق، لما وجد المبدع، ولو لم يوجد المبدع لماتت ذائقة المتذوق.
يقولون إن العرب أهل الفصاحة والبلاغة، وفيهم نزل القرآن الكريم معجزا مهيمنا، وكان فيهم ومنهم الشعراء الفحول، فهل معنى أنهم أهل الفصاحة والبلاغة، أنهم جميعا كانوا شعراء ناثرين؟
ليس هذا صائبا، ولكن المعلوم أن أغلبهم ذواقون للكملة متناغمون مع التعبير الرائق.
وهكذا يكون الحس الأدي عاملا مشتركا كما ذكرت بين المبدع والمستمع.
ونقول كذلك حينما يكتب الأديب روايته أو يكتب مقالته، هل يتذوقها كل الناس وعمومهم؟
إن سطوره لا يقبل عليها إلا عشاقها، والراغبون في هيامها، ومن ثم لهم كتب، ومن أجله قرؤوا.
ومارد الأدب بين المتكلم والمتلقي، هو نفسه ذات المارد، لكن الأول يستطيع التعبير والأخر يستطيع السماع، فكلاهما يكمل الآخر.
بل عندي أن ذوق المتلقين أكثر خدمة ودعما للأدب، فلولاهم ما قامت للأدب قائمة، أو للشعر بارقة.
كنت أسمع أن أحمد شوقي كان يؤلف القصيدة، ولكنه في الحفلات والمسابقات والمساجلات لم يكن يلقيها بنفسه، ولكنه كان يأتي بمن لديه موهبة الإلقاء فيلقيها عنه، حتى تكتمل في قصيدته معالم الجمال، بينما حافظ يلقيها بنفسه ولم يستمع لأحد، لأن حافظ شاعر النيل، كان يتمتع بالأداء والإلقاء القوي.
ويمكن للقصيدة أن تموت إذا كان شاعرها فاقدا لبراعة المواجهة.
لقد حاولت كثيرا مع عدد ممن عرفتهم من القراء، الذين أبصرت فيهم حاسة التذوق الأدبي والتي كانوا يعبرون عنها بالقراءة فقط، وبحفظ كثير من مقاطع الأدباء، التي كانوا يتغنون بها وينبهرون بكلماتها، كنت أدرك بشدة ويراودني إحساس أن هذا الحس الكبير، يمكن له أن ينتقل من حالة التلقي إلى حالة الإبداع، لو توفرت له سبل التحفيز والتشجيع والمران، وقد نجحت كثير من المحاولات، وهو السر الذي لا يفطن إليه كثير من القراء المتذوقون، لا يأتي في خاطرهم يوما أن يكونوا مبدعين، هم فقط من القراء المتذوقين.. لكنهم لو جربوا ووضعوا في خاطرهم هذا الأمل ورووه ونموه، لربما كان وراءه مبدع كبير.
وأم كلثوم كانت مطربة ناجحة، لم تعتمد فقط على موهبتها، وإنما أثقلتها بالدراسة والاجتهاد والصبر والتحصيل والقراءة، ومن ثم تفوقت على أقرانها الشرسين، الذين أحاطوها بالمكائد والمؤامرات، ولعلها وإن كانت مبدعة في الصوت الذي هو موهبة إلهية، فإنها أثقلت هذا الإبداع بمخايل التذوق، فقد علمت أنها قرأت مع الشاعر أحمد رامي عددًا كبيرًا من أمهات الكتب العربية التراثية القديمة والحديثة، لقد قرأت معه كتاب الأغاني، ومختارات البارودي، وديوان شوقي، وكثير من الشعراء العرب القدامى، ولم تكتف بهذا، بل أحاطت نفسها على الدوام بعناصر الأدباء والمثقفين والمفكرين في زمانها، مما ساعدها أن تشعر بروح العصر الذين تعيش فيه ولا تتخلف عنه أبدا.. فلماذا كل هذا؟ لماذا القراءة والدراسة، واهتمامها بالثقافة الأدبية؟
لقد قالوا أن ذلك كله قد أسهم في تربية ذوقها وحسها الأدبي، وساعدها على الإحساس بالكلمات التي تغنيها، لتعطيها قدرة عالية على فهم المعنى الكامد وراء هذه الكلمات، لتتمكن من أدائها بالصورة العميقة التي تتناسب معها وتوائم وقعها.
ألست ترى معي هنا أن أم كلثوم أديبة، وإن كانت بصورة أخرى، ألست معي أنها مبدعة وإن كان بطريقة مختلفة.
ربما تراها ناقلة للكلمات فقط، ولكنها استطاعت أن تخدم المسرة الأدبية، فتوصل هذه الكلمات التي شقي المبدعون من الشعراء في نظمها إلى عموم الناس على اختلاف طبقاتهم وألوانهم.
وكان الفضل لهذا كله في الحس الذي تكون، واجتهدت هي في تكوينه، بالدراسة والقراءة.
يقول الشاعر الكبير أحمد رامي وهو يقدم نصحه للشعراء: " إذا أردت أن تكون شاعرا فاقرأ الجيد من الشعر العربي والعالمي، وأكثر من الاستماع إلى أم كلثوم، وذلك لأنها تجلو الألفاظ فتجعلها واضحة مشحونة العاطفة، وتخلق لدى من يسمعها في نهم إحساسا عميقا بالكلمة والنغم وعذوبة الأداء"
أرأيت بماذا كان النصح، لقد أدرك رامي أن كلمات الشعر هامدة جوفاء، مجرد سطور على أوراق، لكن أم كلثوم هي التي أجرت فيها الدماء وجعلت لها روحا تتحدث وتخترق الأسماع والوجدان.
وهو ما عبر عنه الموسيقار الكبير عبد الوهاب بقوله: " إن المستمع لها لا يرى مطربة تغني، ولكنه يرى فنانة تتعب، فنانة تعرق، تعطي كل ما عندها للمستمع، دون أن تضن عليه، إنها تعطيه دموعها وأنفاسها وليس صوتها فقط".
وما أجمل تعقيب الصديقة هدى كامل
Hoda Kamel فيما يعضد لمساتها الأدبية إذ تقول:
"لم يكن لأم كلثوم ثقافة وشعور فقط، بل كان لديها ذكاء فني بمعنى كيف كانت تخاطب جمهورها وتطل عليه، لدرجة أنها غيرت في تحفة إبراهيم ناجي "الأطلال" إذ بدأ قصيدته ( يا فؤادي رحم الله الهوى ..كان صرحا من خيال فهوى ) بحسها الفني لم تطل على الجمهور بكلمة "رحم الله الهوى" وغيرتها (يافؤادي لا تسل أين الهوى... ) أرأيت أجمل من حسن الاستهلال هذا !!! أراه ذكاءً وحسا رائعا ونبض لكلمات الشاعر.!!أين نحن اليوم من هؤلاء العباقرة!! والشواكيش تدق على رؤوسنا بالمبتذل من الكلمات والمشاعر الرخيصة!!"