بصيتلها وقولت بهدوء:
– بالنسبالك يمكن مش مهم، بس بالنسبالي محتاجين نعرف الأسباب، وأنا اللي هحدد إيه المهم وإيه اللي مش مهم.
وطّت راسها وقالت:
– مش أنا بس اللي الموضوع ده مضايقني… أهلي كلهم متضايقين.
قولتلها وأنا بفكر:
– موضوع إيه بالظبط؟
قالت بسرعة وهي متعصبة:
– لما اتقدملها كريم الشناوي، بابا رفضه عشان مش من مستوانا. إحنا عيلة ليها مركزها واسمها، ومكانتنا أعلى منه هو وأهله بكتير.
رفعت حاجبي وسألتها:
– ووالدك وافق بعد كده إزاي؟
قالتلي بضيق واضح وهي بتتنهد:
– أختي فضلت تعيط وتزن، وتقوله إنها هتموت نفسها لو ما اتجوزتهوش. فضلت وراه لحد ما وافق.
قولتلها وأنا بكتب:
– وبعدين؟ حصل إيه بعد الجواز؟
قالت وهي بتتنهد تاني:
– أختي ساعدته مادياً بشكل جنوني، خدت مبلغ كبير من بابا، وباعت دهبها كمان. وكل مرة كانت تطلب منه فلوس، كان يديلهالها من غير نقاش، لحد ما جوزها فتح شركة الهندسة وبقى مشهور. بس رغم كده… كلنا عارفين أصله.
قولتلها وأنا ببصلها:
– بس اللي وصل ليه ده من مجهوده
قالت بعصبية وهي بتخبط بإيدها على الترابيزة:
– مجهود إيه! لولا فلوس بابا ومساعدة أختي مكنش حقق حاجة! كل اللي هو فيه ده من حقنا إحنا… أختي عنيدة ومش عايزة تفهم.
قولتلها وأنا بحاول أفهم:
– عنيدة إزاي يعني؟
قالت بعصبيه:
– قولتلها مليون مرة تخليه يكتب كل حاجة باسمها، عشان أهله ما يورثوش منها حاجة، أصل الفلوس دي بتاعتنا إحنا. بس كانت كل مرة تتخانق معايا وتقول إني بظلمهم. مكنتش مصدقاني!
قولتلها وأنا بعدل الكرافته بتلقائية:
– مكنتش مصدقاكي في إيه بالظبط؟
قالت:
– إنها مش فاهمة إن أهله طمعانين. مرة قابلت أمه، قولتلها كده في وشها: “خليه يكتب كل حاجة لأختي، ده حقها، لولاها ما كانش وصل للي هو فيه”، بس الست دي قامت عليا وقالت إن ابنها تعب وكافح بعرقه، وإنه كفاية إنه كتب الشقة باسم بنتي.
سكتت لحظة، وبعدين وقفت بعصبية وقالت:
– لازم تحققوا مع كل أهله كمان، دول ناس طماعة ومحدثين نعمة!
قولتلها وأنا بحاول أهدّيها:
– متقلقيش، هنحقق مع الكل، بس قوليلي بصراحة… ليه زعلانة قوي كده؟ كان ممكن تستغلي المستوى الاجتماعي اللي بتتكلمي عنه وتوصلي انتي كمان، ليه ما حاولتيش؟
قالتلي بخنقة وهي بتبص في الأرض:
– لأن جوزي راجل مش طموح… كتير أووي كنت أقوله ناخد فلوس من بابا زيها، نعمل مشروع ونفتح حاجة لينا، بس دايمًا كان بيرفض، "مكتفي بالملاليم اللي باخدهم من التدريس".
قولتلها فجأة، وأنا ببص في عينيها مباشرة بنظرة حادة خلتها تتوتر:
– كنتي فين يا سناء النهارده العصر؟
اتجمدت لحظة، وبصتلي بخوف واضح، وبعد ثواني ردت بصوت متردد:
– أنا… أنا كنت في البيت. أنا بخلص المدرسة الساعة اتنين، وبعد ما خلصت طلعت وروحت على طول.
سكتت شوية، وبعدين صوتها بدأ يتكسر وهي بتقول وهي بتعيط:
– هو حضرتك بتلمّح إنّي أنا اللي عملت كده؟ أنا صحيح كنت بتخانق معاها ومضايقة من تصرفاتها وسلبيتها، بس… بس مش لدرجة إني أقتلها! أنا كنت زعلانة منها، آه، بس كنت لسه عندي أمل إنها تقتنع وتقول لجوزها يعمل اللي قولتلها عليه. كنت فاكرة إن في يوم هتفهمني… مش كنت أتخيل أبدًا إن الموضوع ممكن يوصل لكده.
قولتلها وأنا مميل ناحيتها وبصوت هادي:
– متعرفيش بياع السمك اللي أختك كانت بتجيب منه؟
رفعت وشها وهي بتمسح دموعها وقالت:
– لا يا بيه، هعرف منين؟ أنا ماليش دعوة بيه ولا كنت بروح معاها السوق أصلاً.
بصيتلها شوية وأنا بحاول ألاحظ ردود فعلها… نظرتها، رعشة إيدها
وفي اللحظة دي الباب خبط خبطة خفيفة، ودخل العسكري بسرعة وهو بيقول:
– فيه واحد بره يا أفندم، بيقول إنه محامي، وعايز يتكلم مع حضرتك بخصوص القضية دي.
بصيت له وأنا بقفل الدفتر بإيدي بهدوء وقلت:
– خليه يستنى دقيقة.
قولتلها وأنا بتنهّد: تقدري تمشي يا سناء، بس هتفضلي على تواصل معانا يمكن نحتاج نتكلم معاكي تاني.
مسكت شنطتها ومشيت وهي بتمسح دموعها.
بعدها بدقايق، دخل راجل طويل وأسمر، لابس بدلة، وسلّم عليّا وهو بيعرّفني بنفسه وقال:
– أنا المحامي محمود عبد العزيز، المسئول عن كل أعمال المهندس كريم الشناوي.
قولتله: أهلاً وسهلاً، اتفضل اعد، تحب تشرب إيه؟
قال وهو بيعد: مفيش داعي، شكرًا لحضرتك.
بصيت له وقلت: عرفت اللي حصل منين؟
قال: أنا لما رُحت الشركة لقيت الخبر وصل لكل الموظفين، ولما اتصلت بابنه، أكّدلي الخبر للأسف... ربنا يرحمه.
قولتله باهتمام: واضح إن عندك معلومات هتفيدنا.
قال وهو بيحط نضارته فوق راسه: أنا هقولك كل اللي أعرفه، يمكن يفيد القضية، لأني حاسس إن دي مش مجرد حالة تسمم... والله أعلم.
قولتله: اتفضل، قول كل اللي تعرفه.
قال وهو مركز: المهندس كريم كانت كل خلافاته مع أهله وأهل مراته وابنه، غير كده كان راجل طيب والكل بيحبه.
قولتله باستغراب: ابنه كمان؟
قال بنبرة فيها ضيق: الفلوس يا باشا... الفلوس عَمت قلوب الناس.
أهله وأهل مراته جمّ عندي المكتب، وكل واحد فيهم عايز حتّة من التُرْكة اللي شايفينها من حقهم.
أهله شايفين إن ده تعب ابنهم ومجهوده، ومفروض أي فلوس تبقى باسمه هو بس، ولما كتب شقة باسم مراته، عملوا مشكلة.
أما أهل مراته فشايفين إن كل اللي هو فيه ده من فلوسهم، وإن كل قرش لازم يتكتب باسمها.
قولتله وأنا متضايق: ووصلوا لإيه في الآخر؟
قال: رفض طبعًا كلامهم، واتخانق معاهم، وقالهم إنه مش عايز حد يدخل في حياته، وإنه حر ومسئول عن تصرفاته.
بس يومها كل واحد فيهم حلف إنه مش هيسيب حقه.
قولتله وأنا بقوم أقف قدامه: وابنه؟ مشكلته إيه؟
قال: المهندس دخل بنته كلية خاصة، وبعد ما اتخرّجت فتحلها أكتر من صيدلية تديرها بنفسها.
وابنه جالي في يوم، وقاللي إنه عايز يرفع قضية علشان ياخد "حقوقه"، وإن أبوه بيصرف على أخته أكتر منه.
قولتله بصوت واطي: والمهندس عرف إن ابنه ناوي يعمل كده؟
قال: آه، وجمّ المكتب عندي.
كان أحمد – ابنه – عايزني أقنع أبوه يفتحله مشروع، واتخانق معاه وقاله: "أنا عايز حقي، واشمعنا أختي بس!"
بس المهندس قاله: "لما تتخرج يا ابني، ابقى أعملك مشروع."
الكلام ماعجبوش، وكان عايز ياخد فلوس وخلاص، بس أبوه رفض... لأنه كان عارف إن ابنه مش شاطر في التعليم زي أخته، ولو خد فلوس هيضيعها.
قولتله وأنا بسند ضهري على الكرسي: طب من وجهة نظرك، شاكك في حد بعينه؟
قال وهو بيهز راسه: مقدرش أقول مين بالظبط، بس أعمام المهندس وإخوات مراته كانوا دايمًا يدخلوا في حياته، وعايزين منه فلوس، وشايفين إن ده حقهم.
وابنه كمان كان زيهم، واعمامه مقويينه عليه، وكان بييجي معاهم عندي كل شوية علشان أقنع أبوه يكتبله فلوس أو حاجات باسمه.
قولتله: شكرًا جدًا يا أستاذ محمود، بجد المعلومات اللي قولتها هنحطها في عين الاعتبار، وهنجيبهم كلهم نحقق معاهم ونشوف التحقيقات هتوصل لإيه.
قال وهو بيسلّم عليّا: إحنا في الخدمة يا أفندم، وحضرتك لو احتجتني في أي وقت، كلّمني.
وقبل ما يمشي، إدّاني الكارت بتاعه.





































