البحر بالنسبة للبعض عشقٌ لا ينتهي، وسحرٌ بلا حدود؛ مساحة مفتوحة للحرية والحلم، ومرآة تعكس اتساع الروح وهدوءها.
بينما هناك من يخشاه حدّ الموت، يراه غامضًا وغادرًا، يخفي في أعماقه ما لا يُؤمَن جانبه.
هو البحر ذاته، لم يتغيّر، لكن القلوب هي التي اختلفت في رؤيتها له.
وكذلك الشروق؛ عند إنسانٍ هو ولادة جديدة، وعدٌ بالأمل، وبداية أخرى للحياة.
وعند آخر هو مجرّد ضوء عابر لا يعني شيئًا.
أما الغروب، فلبعضهم نهاية موجعة ووداع ثقيل، ولآخرين لحظة صفاء وتأمل وسكون.
ولكل مشهد عشّاقه ومريديه، رغم أن الحقيقة واحدة لا تتبدل.
بل إن مزاجنا الآني يغيّر إحساسنا بالأشياء؛ فعندما يكون الإنسان سعيدًا يشعر أن الكون كله سعيدٌ ويرقص معه، وعندما يحزن يرى السواد يغلف كل شيء من حوله. وصدق الشاعر حين قال: كن جميلًا ترى الوجود جميلًا. فالإحساس الداخلي هو الحاكم الأول لرؤيتنا لما حولنا.
وهكذا تمضي الحياة محمّلة بالتناقضات؛ ما نطمئن إليه قد يخيف غيرنا، وما نحبه قد يكرهه سوانا، وما نراه خيرًا قد يراه آخرون شرًا. لا لأن الأشياء متناقضة في ذاتها، بل لأننا نراها من نوافذ مختلفة، لكلٍّ منا زاويته الخاصة، وتجربته، ووجعه، وفرحه.
ورغم اختلاف الأفكار والمشاعر، تظل الثوابت راسخة لا تتغير. الشمس تشرق وتغرب، البحر يبقى بحرًا، والحياة تمضي في مسارها، بينما نحن من نختلف في تفسيرها والتعامل معها.
لعل النضج الحقيقي لا يكمن في إقناع الآخرين برؤيتنا، بل في احترام اختلافهم عنها. أن ندرك أن تنوّع الرؤى ليس ضعفًا، بل ثراء، وليس سببًا للصراع بل فرصة للفهم. وحين نتسع للاختلاف، نخفّف عن أرواحنا عبء الحكم، ونمنح قلوبنا سلامًا أعمق. فالعالم لا يحتاج عيونًا متشابهة بقدر ما يحتاج قلوبًا أكثر رحابة، ترى الاختلاف جمالًا، وتدرك أن الحقيقة أوسع من أن تُختصر في رؤية واحدة.








































