صلّت نعمة الفجر حاضرًا، وبسطت كفّيها إلى السماء، تدعو من أعماق قلبها أن يرزقها الله طفلًا صغيرًا يملأ عليها البيت دفئًا وحياة. خمس سنواتٍ مرّت ولم تُرزق بولد، حتى ضاق صدر زوجها حسان، وبدأ حلم الامتداد والاسم يطارده ليلًا ونهارًا.
وفي صباحٍ غابت عنه الشمس، فاجأها حسان بقراره:
لقد اتفق مع عبد الدايم على الزواج من ابنته، علّها تنجب له الولد الذي يحفظ اسمه من الانقطاع. لم يترك لها مجالًا للنقاش، ولم يطلب رضاها، بل ألقى الأمر كحكمٍ لا يُرد.
سكتت نعمة… لم تخالفه ولم تعترض، فالعيب ـ كما أقنعها الجميع ـ منها. وكيف لبئرٍ بلا ماء أن تعترض على من يريد أن يرتوي؟
بدأ حسان يجهّز نفسه لزواجٍ جديد، وقلب نعمة يتقلب على جمرٍ مشتعل؛ بين وجع عقمٍ لم تختره، وخذلان رجلٍ أحبته وأخلصت له. كانت الليالي تمر عليها ثقيلة، وكل ليلة تسأل نفسها:
ألهذا الحد يُقاس الوفاء بعدد الأبناء؟
وفي دار عبد الدايم، أُقيمت الزينات، وارتفعت الرايات، وملأت الزغاريد أرجاء البلدة، وتعالت الأغاني والأهازيج. العروس تزيّنت وارتدت أجمل ثيابها، والفرح يطرق كل الأبواب.
وحين حان وقت الزفاف، خرج الناس يزفّون العروس في موكبٍ طويل، لكن في لحظةٍ واحدة، تبدّل الحال.
انقلبت السماء ثوبًا من غيومٍ سوداء، وراحت الطيور تنعق نعيقًا غريبًا كأنها بوم، ثم اهتز الجبل، حتى دوّت طرقعات تصمّ الآذان. وفي اللحظة ذاتها انهمر مطرٌ غزير،
تجمّد الناس في أماكنهم، وارتسمت الدهشة والحيرة على الوجوه.
ما الذي حدث؟
هل بكت السماء على نعمة، ورثت لحالها ؟
دبّ الرعب في القلوب، وهرع الجميع إلى بيوتهم، واختبأ الناس خلف الأبواب. أمّا حسان، فقد ترك العروس ـ ابنة عبد الدايم ـ واقفةً في وسط الطريق، وفرّ بعيدًا عنها، وقد تسلل إلى قلبه شعورٌ غامض بأنها قدم شؤم.
وبقي بعض الرجال في الطرقات، يتلفتون، ينتظرون انكشاف الأمر…
فوجدوا أن الجبل قد تشقّق شقًّا عنيفًا، وخرجت من كهفه طيورُ البوم، بينما غبارٌ كثيف غطّى صفحة السماء، فبدت كالغيوم القاتمة. وخرجت منه مياه لم تُرَ من قبل، تسيل كأنها دموع مكبوتة. وفي اللحظة ذاتها، كانت نعمة في بيتها، تنحني من ألمٍ مفاجئ
اقتربت منها خالتها، في صمتٍ كجاثوم يطبق على الأنفاس، وأمسكت بيدها تسحبها إلى قدرٍ لا مهرب منه. أخذتها إلى المقبرة عند الغروب، حين تكون الشمس على وشك الرحيل، والهواء مثقلًا بالرهبة.
أشارت الخالة إلى التُّرَبي، فاقترب، وبلا كلمةٍ زائدة فتح القبر أمام أعينهما، ثم تنحّى ومضى وتركهما في مواجهة المجهول
انحنت نعمة، وقلبها يرتجف، وما إن وقع بصرها في اللحد حتى رأت جثة طفلٍ صغير، ساكنة كأنه نائم، ملفوفة بالكفن.
صرخت صرخةً مكتومة، وانهار جسدها، وسقطت داخل القبر مغشيًا عليها.
ارتبكت الخالة، وراحت تحاول إخراجها، تناديها، تشدّها، لكن جسد نعمة كان ثقيلًا كأنه أحب التراب ونام فيه بعمق وبعد محاولاتٍ مضنية، عادت الروح إلى جسدها، فتمكنت الخالة من سحبها خارج القبر، وأهالت التراب على اللحد كما كان، وكأن شيئًا لم يحدث.
منذ ذلك اليوم، لم تعد نعمة كما كانت.
عاشت شهورًا طويلة مريضة، شاحبة الوجه، مرتجفة القلب، تسكنها الخضة ويلاحقها الكابوس في يقظتها ومنامها. كانت ترى القبر كلما أغمضت عينيها، وتسمع صدى بكاءٍ الطفل المسجى في القبر ، وهو يمسك يدها ويطلب منها أن تخرجه من ظلام القبر
وفي يومٍ ثقيل آخر، سقطت نعمة مغشيًا عليها. استُدعي الطبيب، وبعد الفحص صمت طويلًا، ثم رفع رأسه وقال كلمةً لم تكن في الحسبان:
نعمة… حامل.
وحين حدّد عمر الحمل، اتّضح أن بدايته تعود إلى تلك الليلة…
ليلة نزولها القبر.
أنتاب الجميع صمت مطبق، وبقي السرّ ، الذي يؤرق البعض ، وسؤال بلا إجابة
أهو عطاءٌ إلهي جاء بعد الصبر؟
أم أن للمقابر أسرارًا لا تُفتح إلا لمن كُسِر قلبه ؟
تمت








































