هناك، حيث الوهم يستحيل واقعًا قاتمًا، يمضي متوحدًا كطيفٍ جاثم على شفير الفناء المقيم. لا أنيس سوى ظله المتآكل، وامرأة يسكن طيفُها عينيه كزبدِ بحرٍ هائج. يستنطق الصمت في أزقة شاحبة كأكفانٍ مُلقاة، متمسكًا بوهن أمل أوهى من خيط دخانٍ يتلاشى.
في غسقٍ مُطبق يلفُّ المكان، يُشرف على هاوية سحيقة تتلوى لبحر غيومٍ مُنفطر كصدوع الروح، لمح طيفًا مُنبثقًا من البُعد السحيق. يرتدي ضوء قمرٍ شاحبًا كذكرى باهتة. شعرُها خيوطُ فضةٍ تنساب كدموعٍ ساكنة. دنا بترفقٍ موهوم، وكلُّ خطوةٍ همسةُ غبارِ نجومٍ مُنطفئة.
عندما استوى كشبحٍ أمامه، رفع وجهًا مصقولًا كعاجٍ بارد، فإذا هي ذاتها، لكنَّ مُقلتيها فراغان عميقان يبتلعان الضوء. ابتسم كاحتضارٍ عذب، وبسط كفًّا نديةً كبتلةِ زهرةٍ مُتجمدة.
"هلمَّ، يا أسير الوجع الأزلي"، همس صوتُ حفيفِ أجنحةٍ تئنُّ في الفراغ. "طال انتظاري المضني."
لمس طيفها، فاجتاحه صقيعٌ يُجمِّد الأنفاس. تلاشى كفقاعةِ وهمٍ. لم يعد سوى سرابٍ يتراقص في العتمة. عبثت به يدُ المنون عبثًا أبديًا، وظلَّ أسيرَ ضبابٍ جاثم على روحه، يتتبع حبًّا تلاشى في العدم.
في تلك اللحظة القاتمة، هوى كفُّه من الهاوية السحيقة. انزلق في لُجَّة الغيم المُبتلع، واختفى، تاركًا مدينة الضباب الجاثمة، وامرأةً لم تُولد إلا في خياله الميت.








































