أكبرُ انتصاراتي…
أنني حين وهبتُك، وهبتُك بلا أقنعة… بلا حساباتٍ جانبية، وبلا خططٍ للانسحاب.
جئتُك بكامل طاقتي، كما يأتي الضوءُ إلى النافذة لا يختار زاويةً دون أخرى، وكما يسكب المطر نفسه على الأرض دون أن يسأل: أيُّ جزءٍ منها يستحق البلل أكثر.
لم أكن أُجيد أنصاف المشاعر، ولا أعرف كيف يُدار القلبُ بنظام التقسيط.
إن أحببتُ، أحببتُ دفعةً واحدة، كبحرٍ لا يتراجع خطوةً عن شاطئه، وكجمرٍ لا يعرف كيف يُدفئ دون أن يحترق.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعلني منتصرًا، حتى لو خرجتُ من الحكاية خالي الوفاض إلا من نفسي.
يكفيني أنني لم أضع اسمًا في قلبي لم يكن يستحقه، ولم أمنح مكانةً لمجرد الفراغ، ولم أجمّل شعورًا زائفًا ليبدو حقيقيًا.
كنتُ صادقًا حتى في لحظات ضعفي، نقيًّا حتى وأنا أنزف، لا أساوم على الشعور، ولا أزوّر العاطفة، ولا أتعامل مع القلوب كأوراقٍ قابلة للاستبدال.
لم أمنح طاقتي يومًا لأجل مصلحة، ولا أحببتُ انتظارًا لمقابل، ولا اقتربتُ وفي نيتي أن أحسب الربح والخسارة.
كنتُ أُعطي لأن العطاء كان لغتي، وأحب لأن الحب كان طبيعتي، وأمضي لأن قلبي لم يعرف يومًا طريق الرجوع بعد الصدق.
حتى سلامي…
لم يكن حيادًا باردًا ولا انسحابًا متكبّرًا،
كان سلامًا مغموسًا بالود، ملفوفًا باللين،
كغصن زيتونٍ يحمله من تعبَ من الحروب لا من انتصر فيها.
كنتُ أضع في الصمت ما لا يسعه الكلام،
وفي الهدوء ما يعجز عنه العتاب.
أكبر انتصاراتي أنني لم أخن نفسي وأنا أحبك،
لم أُجزّئ قلبي خوفًا، ولم أحتفظ بنصف مشاعر تحسّبًا للخذلان.
دخلتُ بكلي، وخرجتُ بكلي، مكسورًا ربما… لكن كاملًا.
وإن كان في هذه الدنيا مقياسٌ حقيقي للنصر، فهو أن تنظر إلى ماضيك دون خجل،
وإلى قلبك دون إنكار، وأن تقول بثبات:
لقد أحببتك كما أنا، لا كما يُطلب، وأعطيتك نفسي كاملة…
وهذا وحده يكفيني.
وأزيدُ على ذلك يقينًا لا يتزحزح.
أن الصدق لا يخسر، وإن بدا وحيدًا في آخر الطريق.
فالقلوب التي تُعطي من عمقها قد تنكسر، لكنها لا تصغر، قد تتألم، لكنها لا تفقد شرف الشعور.
كنتُ أعرف، في سرّي العميق، أن من يُعطي بكل هذا النقاء لا يُهزم، حتى لو خسر الأشخاص، فهو يكسب نفسه، ويحتفظ بمرآةٍ نظيفة لا تخدشها الذكريات.
ما وهبتُه لك لم يكن فائض وقت، ولا لحظة ضعف، بل خلاصة ما أنا عليه، سنوات من التشكّل، وتجارب من الانكسار، وقلبٍ تعلّم أن يكون شجاعًا بما يكفي ليحب دون درع.
وإن عاد بي الزمن، لاخترتُ الطريق ذاته،
لأنني لا أندم على صدقٍ خرج من قلبي، ولا أعتذر عن حبٍ كان كاملًا، ولا أراجع نفسي لأنني كنتُ حقيقيًا في عالمٍ يتقن التمثيل.
هكذا أفهم انتصاري…
أنني لم أترك خلفي شعورًا مزيفًا، ولا وعدًا بلا روح، ولا قلبًا دخلته وأنا لستُ أنا.
وهذا مهما بدا بسيطًا، هو أعمق أشكال النجاة، وأصدق أشكال النصر.








































