شتّان فعلًا ما بين يدٍ أفلتتك وتخلت في لحظة احتياج، ويدٍ امتدّت إليك بصدق فأقالتك من عثرتك. فالأولى كانت عليك، مهما تزيّنت بالكلام أو تذرّعت بالظروف، أما الثانية فكانت لك، حتى وإن صمتت ولم تُعلن فضلها، لأن الصدق والإخلاص لا يحتاج ضجيجًا ليُثبت وجوده.
في لحظات القوة والنجاح، يكثر حولنا المصفّقون، وتزدحم الأيادي بالتحيّة والتهنئة، لكن المواقف الحقيقية لا تُقاس في أوقات الرخاء، بل تُكشف في لحظات الشدة والانكسار.
وقتها فقط، نعرف من كان معنا حقًّا، ومن كان مجرّد عابر طريق. فالشدائد امتحان، والأزمات غربال، لا يُبقي إلا الصادقين.
اليد التي تُفلتك عند الشدّة قد تكون ذاتها التي بالغت يومًا في وعودها، وأغدقت عليك من الكلام المعسول، لكنها عند أول اختبار تراجعت، أو اختارت أن تؤثر السلامة لنفسها، أو اكتفت بالمشاهدة من بعيد. وهنا تتضح الحقيقة المؤلمة: الكلام لا يحمي، والوعود لا تُسند، والنوايا تُعرف بالأفعال والمواقف لا بالشعارات ومعسول الكلام.
أما اليد التي تمتد وقت الشدة، فهي يد الإخلاص والوفاء. لا تبحث عن مقابل، ولا تنتظر شكرًا، ولا تُذكّرك بما فعلت. تمدّ صدق مشاعرها قبل يدها، وتشاركك الحمل دون أن تُثقل عليك بالمنّ أو الادّعاء. تلك هي الأيادي التي تُصان، وتُحفظ لها العِشرة، ويُحترم معها العيش والملح، لأنها أثبتت أن الصداقة موقف، لا مصلحة، وأن الوفاء فعل، لا ادّعاء.
وفي الصداقة، كما في الحياة، ليس الجميع سواء. هناك من يحفظ الودّ ولو جار الزمان، وهناك من يتنصّل عند أول منعطف صعب. لذلك، لا تحزن على يدٍ أفلتتك، بل اشكرها لأنها كشفت حقيقتها مبكرًا، ووفّرت عليك عمرًا من الوهم. واحفظ الود لتلك اليد التي أقالتك، لأنها أثبتت أن الخير ما زال موجودًا، وأن الإخلاص لم ينقرض، لكنه نادر
تعلمنا التجارب أن لا نُفرط في الثقة بالكلام، وأن نُحسن قراءة المواقف. فالمعدن الحقيقي للناس يظهر حين تضيق الخيارات، وتشتد العواصف. عندها فقط، نميّز بين من كان علينا، ومن كان لنا.
وفي النهاية، لا تبحث عن كثرة الأيادي حولك، بل عن يدٍ واحدة صادقة، إن تعثّرتَ أقالتك، وإن ضعفتَ ساندتك، وإن صمتَّ فهمتك. فهذه اليد وحدها تكفي… وكل ما عداها تفاصيل عابرة لا تغني ولا تسمن من جوع ولا يُعوّل عليها.
"شتان ما بين يد أفلَتَتكَ ويد أَقالتك من عثرتك، الأولى عليك والثانية لك".








































