كان البيت العتيق قائمًا في قلب الحارة منذ ما قبل أن يتعلّم الناس عدّ السنين.
جدرانه متشققة، لكنّها صامدة، وسقفه منخفض كأنّه ينحني تواضعًا لمن يسكنه.
فيه عاشت العائلة كلّها: أجدادٌ أنهكهم الزمن، وأبناءٌ يحملون ثقل الهموم، وأحفادٌ لا يرون في الشقوق إلا قبحًا يجب إزالته.
كان الجد الأكبر، الحاج عبد النصير، يجلس دائمًا في صدر الصالة، عصاه بجواره، وصوته لا يزال يملك سلطة الماضي.
قال ذات مساء، وهو يطرق الأرض بعصاه:
– البيت ده عاشرنا عمرنا كله… شقوقه دي زي تجاعيد وشّنا. هو مش محتاج يتصلّح، هو محتاج يتساب في حاله.
ردّ الحفيد خالد ، بصوت مشتعل لا يعرف الصبر:
– يا جدي، البيت بينهار! السقف بينقّط، الحيطان بتتآكل، وإحنا عايشين في ضلمة. هو ده الأمان؟!
تدخل الأب حسين، محاولًا أن يوازن الكفّة:
– يا ولاد، جدّكم له حق… والبيت فعلًا واقف من سنين. بس برضه العيال مش غلطانة، إحنا محتاجين نصلّح، بس بهدوء.
ضحك الجد بمرارة:
– بهُدوء؟! ما البيت اتبنى بهدوء واتحفظ بهدوء. كل مرة حد قال نغيّر، خسرنا أكتر ما كسبنا.
لكن الأحفاد لم يروا في الهدوء سوى تأجيل للموت.
كانوا يجتمعون ليلًا في الغرفة الخلفية، يرسمون على الورق بيتًا جديدًا: نوافذ واسعة، نور، سقف عالٍ.
قالت الحفيدة مريم:
– إحنا مش عايزين نهدّ البيت… إحنا بس عايزين نغيّره.
وفي صباحٍ صاخب، جاؤوا بالعمّال.
مطارق، أزاميل، ضجيج لم تعرفه الجدران من قبل.
صرخ الجد:
– إنتوا بتعملوا إيه؟! ده بيتكم!
أجابه خالد وهو يرفع صوته فوق صوت الحديد:
– علشان بيتنا، لازم يتغيّر!
وقف الأبناء في المنتصف، لا يملكون قرارًا ولا شجاعة الاعتراض.
قال حسين بصوت مكسور:
– "بس واحدة واحدة… شيلوا حتة حتة."
لكن البيت، الذي بُني على صبرٍ طويل لا على صدمات، لم يحتمل.
اهتزّت الأساسات.
تشقّق السقف أكثر.
صرخت الجدة من غرفتها:
– "البيت بيقع!"
وفي لحظة واحدة، سقط كل شيء.
السقف على الجدران..
الجدران على البشر..
الضجيج على الصمت ..
لم ينجُ أحد.
لا الجد الذي ظنّ أن الماضي حصنٌ أبدي،
ولا الأب الذي ظنّ أن التوازن ممكن،
ولا الحفيد الذي ظنّ أن التغيير السريع خلاص.
وبعد أيام، وقف الجيران أمام الركام.
قال أحدهم:
– كان بيت قديم… بس كان واقف.
وردّ آخر:
– كان محتاج يتصلّح… بس مش كده."
أما الحارة، فظلّت كما هي،
تعلّمت درسًا واحدًا، لكنها لم تعرف كيف ترويه حتى الآن..
وهكذا…
لم يسقط البيت وحده،
سقطت العائلة..
وسقط الحلم..








































