خرجت بعد نُص الليل كالعادة، وده الوقت اللي دايمًا بخرج فيه وبطلع على سوق السَّمك، والسوق دَه موجود في منطقة اسمها الكبَّاس، وبالمناسبة، دي منطقة سوق قديمة موجودة في بلد عايش فيها من شهور قليلة بس..
في أوّل أيام ليّا هِنا، رِجلي دابت من اللَّف على شغلانة أعيش منها، البيبان كلّها كانت مقفولة، بَس كنت بدوَّر وأنا بقول: يارب، لحد ما رجلي أخدتني في مرَّة ولقيت نفسي داخل منطقة الكبَّاس، وبمجرَّد ما دخلتها نسيت كل الروايح اللي شمِّيتها في حياتي، وده لأن الريحة اللي فاردة سيطرتها في المنطقة هيَّ ريحة السَّمك، الزَّفارة يعني زي ما أغلب الناس بتقول عنها..
بدأت أسأل عن شُغل في كل المحلَّات اللي تقابلني، وكالعادة الرُّدود كانت واحدة: "الله يسهِّل لَك، مَفيش مكان والله، ربنا يرزقك".
فقدت الأمل إني ألاقي شغلانة آكل منها لقمة عيش، ولأن رجلي كانت تِعبت من اللَّف، قعدت على قهوة بسيطة في السوق، طلبت كوبّاية شاي لأن مكانش ينفع أقعد على القهوة سَفلَقَة، ويادوب الشاي نزل وبدأت أشرب؛ ولقيت القهوة وقفت على رِجل، وده لمَّا دخل شخص كبير في السِّن، النَّاس بدأت ترحَّب بيه، واستغلِّيت إن القهوجي كان فايت من جنبي وسألته عن الشَّخص ده، وساعتها عرفت منُّه إن الشَّخص دَه يبقى الحاج: عبد الباسط؛ شيخ السوق، وكبير تُجّار السَّمك في منطقة الكبَّاس، مَعرفش ليه حسِّيت إن ربنا جاب لي فرصة تَحت رجلي بعد التَّعب وفقدان الأمل اللي عيشته في الفترة اللي فاتت، عشان كِدَه فضلت قاعد مكاني وأنا مراقبه، ولمَّا الزحمة اللي حواليه اتفضَّت ولقيته قاعد بيشرب حجر الشيشة في روقان، قُمت من مكاني ومشيت ناحيته، ولمَّا وقفت قدامه قلت له:
-مساء الخير يا حاج.
بَص لي من فوق لِتحت وهو بيسحب نَفس من الشيشة وقال لي:
-مساء النور، أنت مين يابني؟
-اسمي منصور، جيت البلد دي من كام يوم وبدوَّر على شغل، بَس البيبان كلها مقفولة في وشي، وعرفت إن حضرتك تبقى كبير السوق، وبصراحة طمعان في كرمك – بعد كرم ربنا طبعًا – إنك تشوف لي شغلانة أسترزق منها، لأني متجوّز وعندي عيِّل بصرف عليه.
الحَق يتقال، الرَّاجل مَكَسَرش بخاطري، لأنه ابتسم في وشّي وقال لي:
-شكلك طيِّب وابن حلال يا منصور وعاوز تاكل لقمتك بعرق جبينك.
-يعني هلاقي شغلانة عندك يا حاج؟
-مُش عندي بالظبط، بَس في شغلانة كانت موجودة في السوق من فترة والنَّاس استغنت عنها، وأنا هرجَّعك تشتغل الشغلانة دي.
ماكنتش فاهم بيتكلّم عن أي شغلانة بالظبط، عشان كِدَه قلت له:
-والشغلانة دي تبقى إيه يا حاج؟
-هَتشتغل في السوق نفسه مُش تبع محل من المحلات، والشغلانة عبارة عن إنك بتيجي السوق قبل الفَجر بساعتين أو تلاتة، وتبدأ تجهِّز الصناديق الخشب قدَّام المحلات، عشان لمَّا عربيات السمك توصل العتّالين اللي عليها ينزّلوا السَّمك فيها علطول، وبالنسبة لأُجرتك، أنا هكلِّم أًصحاب المحلات كل واحد فيهم يعطيك مبلغ كل شهر، وأنت ورزقك بقى.
شَكرته لأنه مَخذلنيش، برغم إن مَفيش بيني وبينه سابق معرفة، دَه حتى خرج معايا من القهوة، أخدني لأصحاب المحلَّات واتكلّم معاهم، محدّش فيهم كان بيرجَّع لُه كلمة، لحد ما خرجت من السوق وأنا حاسس إن ربنا عوَّض صبري خير، حتى عزيزة مراتي لمَّا روَّحت وعرفت باللي حصل، الفرحة مكانتش سيعاها.. وتاني يوم؛ خرجت بعد نُص الليل، وصلت منطقة الكبَّاس قبل الميعاد اللي اتفقت عليه مع الحاج عبد الباسط، وبدأت الشغل اللي طلبه منّي، وقبل الفَجر ما يأذِّن كنت خلَّصت كل اللي ورايا..
حسِّيت إني مُرهق من المجهود اللي عملته، أوِّل يوم شغل بقى وعاوز أثبت نفسي وأحافظ على لقمة عيشي اللي لقيتها أخيرًا، عشان كِدَه قرَّرت أريَّح شويَّة لحد ما السوق يشتغل، دوَّرت على مكان أركن فيه شويّة، وبعد ما دُخت على مكان؛ لقيت ركن في السوق، الركن دَه عبارة عن حيطة قديمة على شكل نُص دايرة، حاجة كِدَه شبه محراب المسجد بَس على كبير، لمَّا رُحت ناحيتها لقيت فيها غطا خشب دائري أعلى من الأرض بشويَّه، مَعرفش ليه فضولي أخدني وحرَّكته من مكانه شويَّة، وساعتها لقيت صورتي معكوسة على صَفحة مَيَّه راكدة، عشان يتضح لي إني كشفت غطا حوض مَيَّه، أو بير لو كان الكلمة تنفع تتقال عليه..
رجَّعت الغطا مكانه، وقعدت فوق صندوق خشب مقلوب جَنب الحيطة القديمة، حسِّيت بتُقل في دماغي، عشان كِدَه سندت راسي على الحيطة اللي ورايا، كُنت خايف السوق يشتغل وأنا رايح في النوم، لأن دَه أوِّل يوم شُغل ليَّا ولازم مفيش حد يشتكي منّي، ده اللي خلَّاني أقاوم حالة الخمول اللي حسِّيت بيها على قد ما أقدر، بَس مَفيش ثواني وبدأت أسمع صوت بَحر، بالتحديد صوت الموج لمَّا بيكون جاي مُندفع وبيخبط في الصخور اللي على الشَّط.
بدأت أفوق بسبب اللي بيحصل، أنا عارف كويّس إن منطقة الكبَّاس قريِّبة من البَحر، بَس مش لدرجة إني أسمع صوت الموج من هنا؛ دي المسافة بينها وبين البَحر خمسة كيلو على الأقل، وبعدين أنا موجود من كام ساعة وبشتغل؛ ليه الصوت ظهر دلوقت بالتحديد!
أخدت وقت على ما فهمت إن صوت الموج خارج من حوض الميَّه اللي قدَّامي، أو البير يعني، ولمَّا استوعبت دَه الصوت بدأ يزيد، وبرغم إن الدنيا كانت ليل، لكن بدأت ألمح المَيَّه وهي بتزيد وبتخرج من تحت غطا البير، في البداية ماكنتش مستغرب اللي بيحصل، قُلت جايز البير تكون واصلة بماسورة بتزوِّدها بميَّه ولا حاجة، وضغط المَيَّه زاد فجأة، وبسبب تجويف البير سمعت صوت حركة المَيَّه كأنها صوت موج.
المَيَّه خرجت بكمية كبيرة وبدأت تملا المكان اللي أنا قاعد فيه، ولأن الأرض في المكان ده كانت أوطى من أرضية السوق، فالمَيَّه اتحجزت فيها وبدأت تِعلى، وللمرَّة التانية فضولي خلَّاني مدِّيت إيدي ناحية المَيَّه، بلِّيت صوابعي منها وحطّيتها على طرف لساني، عشان أتفاجأ إن جسمي بيقشعر، أصل المَيَّه كانت مالحة جدًا، استغربت إزاي حوض أو بير والمفروض إن المَيَّه اللي فيهم تكون عذبة وتبقى بالملوحة دي، دَه حتى طعمها كان مالح عن مَيِّة البحر نفسه!
خرجت من المكان دَه وأنا جزمتي مبلولة بسبب المَيَّه، ولأن دماغي كانت مشغولة باللي بيحصل؛ لقيتني بَبُص ناحية المَيَّه من تاني، بَس اكتشفت إن الأرض ناشفة وغطا البير ناشف، ماكنتش عارف المَيَّه دي كلها اختفت فين، وإزاي البير خرَّجتها ورجعت بلعتها من تاني، لأ والأرض كمان نشفت في ثواني، وعاوزين تعرفوا الأغرب من كل ده، أنا اتفاجئت إن جزمتي كمان ناشفة!
عقلي كان هَيسيب راسي ويطير من اللي بيحصل، خصوصًا لمَّا سمعت صوت جاي من ناحية البير بيقول: "أزرق.. كلُّه هيبقى أزرق يا منصور، والضلمة اللي تَحت أدفى من الشَّمس اللي بتكون عندك فوق، الخطوة صعبة بَس الغَرقة راحة، تعالى، الملح مستنّي يطهَّرك".
بلعت ريقي بعد ما سمعت الكلام الغريب دَه، خصوصًا إن اسمي كان موجود فيه، بدأت ألِف حوالين نفسي عشان أعرف مين اللي بيكلّمني، لكن مكانش موجود غيري والمحلَّات اللي بيبانها لسَّه مقفولة، لكني مَلحقتش أفكَّر في الكلام اللي سمعته؛ لأني فصلت تفكير مع صوت باب أوِّل محل كان بيتفتح، ولمَّا بصّيت في الناحية اللي الصوت جاي منها، شُفت المحل منوَّر وكام عامل واقف فيه، دَه غير إني لمحت كشَّاف عربية داخلة السوق من بعيد، وساعتها العربية وقفت قدَّام المحل، والعتَّالين اللي فوقها بدأوا يناولوا السَّمك للعُمَّال اللي واقفين؛ واللي كانوا بيفضّوه في الصناديق اللي كنت مجهّزها من بدري، وبيرجَّعوا الصناديق الخشب للعتّالين من تاني بعد ما يفضّوها.
بعد المّشهد دَه، الأحداث بدأت تجري بسرعة، المحلات فضلت تفتح محل ورا التاني، والعربيات كانت بتدخل السوق عربيَّة ورا التانية، وبعدها السوق بدأ ينزِحم بالبيَّاعين والزباين، وأنا كنت من المحل دَه للمحل دَه، اللي محتاج تَلج واللي محتاج صناديق خشب زيادة، ماحسِّيتش بالوقت غير والضُّهر بيقول: الله أكبر، أخدت بعضي وصلِّيت ورجعت تاني أكمل شغلي، وبعد صلاة العصر السوق بدأ يهدا؛ فأخدت بعضي وطلعت على القهوة، وبعد ما شربت كوباية شاي؛ لقيت الحاج عبد الباسط داخل وبيسلِّم على الناس، وبعد ما قعد يشرب شيشته على رواقه، قرَّبت منُّه وقُلت له:
-أنا مش عارف أشكرك إزاي يا حاج على الشغلانة، ربنا يجازيك خير.
رَد عليَّا بعد ما سحب نَفس دخَّان وقال لي:
-الرزق زي الموت يا منصور لازم ولابُد بييجي، وأنا مجرَّد سبب مش أكتر، المهم تكون مبسوط في الشغلانة.
لقيت نفسي بتأخَّر عليه في الرَّد، ولقيتني مُرتبِك ولساني تقيل وأنا بقول له:
-الحمد لله يا حاج، مبسوط أربعة وعشرين قيراط.
ماكنتش متوقّع إنه هياخد باله من الرَّبكة اللي كُنت فيها، عشان كِدَه قال لي:
-مالك؟ في حاجة عاوز تقولها؟
ماقدرتش أتكلِّم في حاجة، أصل الكلام اللي كان على لساني مكانش منطقي بالمرَّة، ومش بعيد لو قُلته يعتبرني بخرَّف، دَه كمّان لو مخلَّانيش أسيب منطقة الكبَّاس كلُّها وأمشي، عشان كِدَه ابتسمت وقُلت له:
-لا خالص يا حاج، جايز بس شوية إرهاق لأني صاحي من ليلة امبارح، أشوفك على خير إن شاء الله.
أخدت بعضي ومشيت؛ لأن بعد العَصر المحلَّات بتكون شطَّبت، رجعت على البيت اللي ساكن فيه، ولمَّا دخلت قعدت على كنبة جنب الباب وأنا بحاول ألقُط نَفَسي، في اللحظة دي الصوت رِجع يرن في دماغي، نفس الكلام الغريب اللي سمعته عند بير المَيَّه سمعته من تاني، ولقيت نفسي بَسرح في اللي حصل، وفضلت سرحان لحد ما عزيزة مراتي قالت لي:
-يوه! مالك يا منصور، راجع مفَرهد ليه كده؟
في الحقيقة اللي كان مفَرهد دماغي مش جِسمي، لأن الصوت كان بيرِن جوَّه دماغي وواخدني لعالم تاني، بَس جيت للحظة معيَّنة وحسِّيت إني عاوز أفضفض، عشان كِدَه قلت لها:
-والله يا عزيزة دماغي اللي مِفَرهدة مُش جسمي.
-إيه بَس اللي حصل كفى الله الشَّر! ما أنت لقيت شغلانة أهو وبكره الحياة هَتمشي والدنيا تبقى كويِّسة.
-أهو أنا مُش خايف غير من الشغلانة الجديدة دي.
-إيه بَس اللي حصل بلاش توغوشني؟
-تخيَّلي إني خلَّصت الشغل المطلوب منّي ورُحت ركنت فوق صندوق خشب على ما المحلات تفتح، ولقيت جنبي بير متغطِّي بغطا خشب، وساعتها سمعت صوت موج بَحر والمَيَّه اللي في البير فارت وخرجت منُّه، كانت مالحة ملوحة غريبة، ولمَّا مشيت من المكان لقيت المّيَّه اختفت والأرضيَّة نشفت، حتى جزمتي اللي اتبلَّت نشفت هيَّ كمان، وبعدها سمعت صوت طالع من البير بيقول كلام غريب.
كانت بتسمعني وعينيها مفتوحة على آخرها، ولمَّا خلَّصت كلامي خبطت على صدرها وقالت لي:
-إيه اللي بتقوله دَه يا منصور؟ وإيه الكلام الغريب اللي سمعته؟
-زي ما بقول لِك، كلام عن حاجة هتبقى أزرق، وضلمة، وملح مستنّي يطهَّرني، وكلام غريب قلبي مقبوض من ساعة ما سمعته.
-مُش جايز نِمت من التَّعب وحلمت وكل دَه مُش حقيقة؟
-أبدًا يا عزيزة، أنا كُنت صاحي وواعي لكل حاجة حكيت لِك عنها.
برَّقت لي شويَّة وبعدها قالت لي:
-أنت عارف دَه معناه إيه؟
فكَّرت في سؤالها شويَّة وماوصلتش لإجابة، عشان كِدَه قلت لها:
-معناه إيه؟
-معناه إن المكان فيه حاجة غلط.
-حاجة غلط إزاي مش فاهم!
-يعني المكان مش كويِّس، مسكون بقى ولا فيه عفاريت، الله أعلم.
كلامها ضايقني، مُش لأنّي معترض عليه، بالعكس، دَه عشان قالت الحاجة اللي كنت خايف منها، زي ما تكون بتأكِّد على الإحساس اللي جوَّايا، عشان كِدَه ردِّيت وقلت لها:
-كلام إيه اللي بتقوليه ده!
-هوَّ أنا اللي بقول ولا أنت؟ أنا برُد على كلامك، تقدر تقول اللي قُلته ده يبقى إيه؟
مكانش قدَّامي غير إني أقفل الكلام في الحكاية دي، كان كل هدفي إني مافتَحش باب الخوف ناحية لقمة العيش اللي لقيتها، عشان كِدَه طلبت منها تجهِّز الأكل، ولمَّا أكلنا قعدت شويَّة ألعب مع ابني، وبعدها دخلت أنام عشان أقدر أصحى في نُص الليل، ولمَّا صحيت، أخدت بعضي في هدوء وخرجت من البيت، وصلت منطقة الكبَّاس ودخلت السوق، ولمَّا خلَّصت بدري زي أوِّل يوم، قرَّرت آخد راحة لحد ما المحلَّات تفتح، ومعرفش ليه رجلي أخدتني لنفس المكان، قعدت فوق الصندوق الخشب، بَس المرَّة دي كنت بريَّح جسمي وأنا مبحلق في غطا البير، انتظرت الميَّه تفور وتخرج من تاني، بَس اللي حصل غير كِدَه، لأني سمعت صوت كام خبطة خفيفية، الصوت كالعادة كان جاي من ناحية البير، بعدها سمعت صوت الموج من تاني، فضلت مبحلق وأنا بحاول أفهم إيه اللي بيحصل، وفي اللحظة دي لمحت غطا البير بيتحرَّك، ولمَّا بقى في فراغ بين الغطا وطرف البير، لمحت صوابع إيد بتحاول تخرج منُّه، وفي وسط العتمة اللي جوَّاه؛ لمحت عيون بتبُص ناحيتي، والصوت اتكرَّر من تاني، بَس المرَّة دي كان بيقول لي: "مستني إيه يا منصور؟ الملح هيطهَّرك من الدنيا واللي فيها، ولو عاوز تتأكِّد من كلامي اسأل صالح؛ أصله كان شغَّال نفس شُغلتك في السوق هنا".
جسمي اتنفض من الخوف، أصل في المرة الأولى، قلت ممكن أكذِّب وداني في اللي سمعته، لكن دلوقت سمعت الكلام تاني للمرَّة التانية، ودلوقت عيني شافت، وبصراحة، مكانش عندي المقدرة إني أكذِّب عيني ووداني في وقت واحد، عشان كده خرجت أجري من المكان ده..
وقفت على مسافة من البير وفضلت مبحلق هناك، وفي الوقت ده شُفت غطا البير مرفوع والعيون بتلمع في الضلمة تحته، ده غير الإيد اللي اتمدَّت برَّه وبدأت تتحرَّك وكأنها بتشاور لي.
بدأت أرجع لورا وأنا بقاوم صوت جوّايا بيقول لي: "قرَّب من البير، المَيَّه المالحة خير مُش شَر".
الصوت اللي جوَّايا كان بيكلّمني بنفس نبرة الصوت اللي بسمعه من البير، وكأن اللي بيتكلِّم قادر يخترق جسمي ويوصل لعقلي، وفي اللحظة دي قرَّرت أهرب من المكان، مشيت لمكان بعيد في السوق، وساعتها المحلات بدأت تفتح محل ورا التاني، بعدها عربيّات السمك وصلت والسمك نزل في الصناديق واتباع كمان، واليوم فات برغم إن دماغي كانت سايبة كل حاجة وبتفكر في اللي حصل للمرة التانية عند البير، ولحد ما وصلت للوقت اللي رُحت فيه القهوة شربت كوباية شاي، وساعتها استغليت وجود الحاج عبد الباسط وهو قاعد رايق بيشرب شيشة، قرَّبت منه ولمَّا شافني قال لي:
_خير يا منصور، وشَّك مليان كلام.
ماكنتش عارف أبدأ منين، عشان كده قلت له:
_كلك نظر يا حاج وكلامك مظبوط.
_عاوز تقول إيه؟
_بصراحة يا حاج في حاجة في السوق هنا مش مظبوطة.
حَط لَي الشيشة من إيده وبدأ يركِّز مع كلامي، وساعتها قال لي بصوت متغيَّر وكأن كلامي مش على مزاجه:
_قصدك إيه بالكلام المايع ده يا منصور؟
مش هَنكِر إن تغيير لهجته معايا خلَّاني أخاف على لقمة عيشي، بَس وقتها كنت بدأت طريق مفيش رجوع منُّه، وكان لازم أشرح له أقصد إيه بكلامي، عشان كده بدأت أفسَّر وأقول له:
-أنا بسمع صوت غريب بيتكلِّم معايا كل يوم بعد نُص الليل، بيقول لي كلام مش مفهوم.
محبِّتش أكتَّر عن كِدَه، أصل تعبيرات وشُّه مكانتش مريَّحاني، حسِّيت إني بَلبُخ في الكلام، عشان كِدَه مسكت لساني ومرضِتش أقول تفاصيل أكتر من كِدَه، قُلت جايز لو زوِّدت عن كِدَه تحصل مشكلة كبيرة، ولمَّا خلَّصت كلامي فضل باصص لي شويَّة وقال لي:
-منصور، مش عاوزك تنسى إني عافرت عشان ألاقي لَك الشغلانة دي، ودَه مش عشان سواد عيونك؛ لأ، كل الحكاية إني صعب عليَّا حالك وحال مراتك وابنك اللي عاوز يتربَّى، ومن الآخر، هعتبر نفسي ماسمعتش الكلام اللي أنت قُلته، ودلوقت يلا خُد بعضك وروَّح على بيتكم، أًصلًا السوق شطَّب النهاردة، وبلاش تتكلِّم في الموضوع دَه تاني وتعمل شوشرة مالهاش لازمة.
في اليوم دَه رجعت البيت وأنا حاسس بإحباط رهيب، طول الطريق كنت بفكَّر في كلام الحاج عبد الباسط، وبسأل نفسي: يا ترى ليه عمل كده معايا؟ أصل كلامه معناه إني بخرَّف وعقلي مش مظبوط، وإلا كان اهتَم بكلامي، ولمَّا وصلت البيت، قعدت ساكت مع نفسي، حتى عزيزة مراتي لمَّا حاولت تتكلِّم معايا، اكتفيت بإني حكيت لها عن اللي حصل، بعدها ما فتحتش معاها أي كلام ولا حتى رديت عليها، دي كمان لمَّا حطَّت الأكل مالقتش عندي نِفس أبلع لقمة؛ فأخدتها من قاصرها ودخلت نمت..
لمَّا صحيت في ميعادي وطلعت على منطقة الكبَّاس، أخدت بعضي ودخلت عند البير، أصل كان فاض بيَّا وكان لازم أفهم إيه اللي بيحصل معايا، وإشمعنى الكلام دَه محصلش معايا قبل ما أشتغل في السوق هنا، عشان كِدَه قرَّبت من البير ونزلت على ركبي في الأرض، بحلقت في الغطا وانتظرته يتحرَّك، وفضلت على الحال دَه لحد ما سمعت صوت الموج، والغطا اتزحزح من مكانه ولمحت العيون بتبُص لي من الضلمة، لمَّا ركِّزت معاها حسِّيت إن جسمي اتشَل، حاولت أبعد مَاقدرتش، لدرجة إن الإيد اتمدَّت برَّه البير ناحيتي، مسكتني من إيدي، حسِّيت ببرودة رهيبة عمري ما حسِّيت بيها قبل كِدَه، وساعتها لقيت الإيد بتتحوِّل وبتتكوِّن فوقها طبقة من قِشر السَّمك، حاولت أسحب إيدي لكنّي مقدرتش، وفي ثواني لقيت طبقة القشر بتنتشر من الإيد دي على إيدي وبدأت تسرح في جسمي، دَه غير إن الإيد نفسها حاولت تسحبني في البير، حاولت أهرب بكل قوِّتي، وفي لحظة لقيت شيء بيلهمني أستعيذ من الشيطان، ولمَّا نطقت الاستعاذة بلسان تقيل، الإيد بدأت تفِك من حوالين إيدي بالتدريج، بعدها رجعت للبير والغطا رجع مكانه، وساعتها سمعت الميَّه جوَّه بتتحرَّك بشدَّة، ومع الحركة دي سمعت رنّة جرس عنيفة خارجة من البير، وبمجرَّد ما رنِّت في ودني عيني غمَّضت ومابقتش حاسس بأي حاجة حواليَّا..
فتحت عيني على دوشة، ساعتها لقيت النهار طالع والناس ملمومة حوالين منّي، أخدت شويّة وقت لحد ما عرفت إني في القهوة، وعيني وقعت على الحاج عبد الباسط، اللي فهمت إنهم بعتوا يجيبوه لمَّا لقوني غايب عن الوعي جنب البير، وساعتها اتكلِّم وقال لي:
-وبعدهالك يا منصور؟ أنت جاي تاكل عيش ولا حكايتك إيه بالظبط؟
في اللحظة دي اتكلِّمت وحكيت كل حاجة بالتفصيل، أصل لقيت إنها كِدَه كِدَه خربانة، فكان لازم أقول وأخلَّص نفسي، ولمَّا حكيت كل التفاصيل اللي فاتت قدامهم، اتفاجئت إن بعض الناس اللي واقفة بتأكِّد على كلامي، كانوا بيسمعوا الأصوات دي من البير، لكنهم كانوا بيتجاهلوا اللي بيسمعوه، ومفيش حد فيهم كان بيحكي حاجة للتاني عشان مفيش حد يقول عنُّه مجنون، لكن كلامي اللي كان قدَّام الكُل خلّاهم يتكلِّموا، وساعتها الحاج عبد الباسط زعق في الناس وقال لهم:
-إيه اللي جرى لكم؟ أنا طول عُمري في السوق مابسمعش الكلام ده، مفيش غير حادثة حصلت في البير وكانت قضاء وقدر وكلكم عارفينها.
ما صدَّقت سمعت منه الكلام ده وقلت له:
-حادثة صالح يا حاج، مُش ده اللي أنت تقصده؟
ساعتها بَص لي وبلع ريقه وحَس إني مش بهلوس، وفي نفس الوقت بَص للناس وسألهم:
-حد منكم جاب سيرة صالح قدَّامه؟
كلهم أقسموا إن مفيش حد فتح بوقه بكلمة من وقت الحادثة، فمكانش قدامه غير إنه يبُص لي ويقول لي:
-عرفت صالح منين؟
جاوبته وقُلت له:
-عرفته من الصوت اللي خرج من البير.
بعدها قُلت أضرب على الحديد وهوّ سخن، أصل لمَّا المعادلة اتغيَّرت لصالحي قلت له:
-أنا مش بكذب يا حاج، كل اللي بقوله حصل.
بعد ما فضل ساكت شويَّة قال لي:
-بَس مَيِّة البير مش مالحة زي ما قلت في كلامك.
-أنا دُقتها يا حاج ولقيت ملوحتها شديدة، وتقدر تروح تتأكِّد بنفسك.
لمَّا لقيته ساكت ومستسلم لكلامي سألته:
-مين صالح دَه يا حاج؟
بمجرَّد ما سألته بَص للناس شويَّة وبعدها قال لي:
-صالح يبقى آخر واحد كان شغَّال نفس شغلانتك، وفي يوم اختفى ومكانش له أثر، وبعد كام يوم بنرفع غطا البير بالصدفة لقيناه عايم على وش المَيَّه غرقان وميِّت، من يومها والبير مقفول ومفيش حد بيقرَّب منُّه، حتى أنا لغيت الشغلانة دي وخلِّيت كل محل يخدم نفسه، بَس رجَّعت الشغلانة من تاني عشانك.
لمَّا خلَّص كلامه طلب منّي ومن الناس نطلع على البير، فأخدنا بعضنا ورُحنا، وهناك الناس رفعت الغطا، المَيَّه كانت راكدة ومفيش فيها حركة، وساعتها واحد من النَّاس مَد إيده فيها وأخد منها حِفنة وداقها، وبمجرَّد ما لمست لسانه تفَّها وقال:
-المَيَّه دي علقم يا حاج.
لمَّا قال الكلام ده، واحد تاني قرَّب منها وحَب يتأكِّد، ساعتها صرخ ووقع على ضهره في الأرض، ولمَّا الحاج عبد الباسط سأله عن اللي حصل، قال إنه شاف وِش مُخيف تَحت الميَّه!
مكانش قدَّام الحاج عبد الباسط غير إنه يجيب شيخ من اللي بيتعاملوا مع الجِن والعفاريت، ولمَّا وصل وكشف على البير، طلع تخميني وكلام عزيزة مراتي صح، لأنه قال إن في القاع شيء يخُص البَحر، وبالتحديد يخُص الجِن المائي، وإنه ساكِن فيه، وإن الشيء ده اتنقل بالغلط للبير، وإن الكيان اللي مربوط بيه أخد روح قبل كِدَه وغرَّقها في المَيَّه، وطبعًا كان يقصد صالح، وإنه بيدوَّر على روح تانية ياخدها عشان يستمد منها قوّته، وإنه حاول يعمل ده لمَّا حس إن في حد قاعد لوحده قرِّب من البير في نص الليل، وطبعًا الشيخ كان يقصدني أنا، وإن والحل الوحيد إن واحد من الصيَّادين ينزل في القاع ويطلَّع الشيء دَه.
بعد جدال طويل، واحد من الصيادين اتبرَّع ينزل البير بعد ما الشّيخ حصَّنه ووعده إن مفيش حاجة هتحصل له، ساعتها الناس ربطوه بحبل وأخد نفس عميق ونزل، ولمَّا شَد الحبل وهوَّ تحت الناس سحبته، وساعتها طلع ومعاه ناقوس، جرس حديد يعني، الطحالب كانت منتشرة على كل حتة فيه، ساعتها الشيخ مسكه وبدأ يقرأ عليه آيات طرد الجِن والشياطين، وبعد وقت طويل من القراءة الجرس اتهز هزَّة عنيفة والميَّه فارت من البير ورجعت تاني جوَّاه، وفي اللحظة دي الشيخ قال إن الشيء ده انصرف والبير بقى نضيف.
اتخلَّصنا من الجرس في مكان بعيد عن السوق، ومن بعد اللي حصل ومَيِّة البير رجعت عذبة من تاني، وبرغم إن البير بقى نضيف، لكن مفيش حد كان بيقرَّب منُّه بسبب اللي حصل فيه، حتى أنا بقيت أروح شغلي عادي وأريَّح على الصندوق الخشب اللي في نفس المكان، ومابقتش أسمع أي صوت بيخرج من البير، ومع الأيام عرفت حكاية الناقوس، أو الجرس الحديد، وعرفت إنه خرج في الشبكة مع صيَّاد مات من كام سنة، كان بيصطاد بالليل، ولمَّا اكتشفه وسط السمك رماه في البير، بعدها بأيام بَس صالح اختفى ولقوه غرقان في المَيَّه، ومفيش حد كان عارف إنه غرق بسبب الجِن المائي اللي الشيخ قال عليه، واللي اتنقل للبير اللي في منطقة الكبَّاس من البَحر المالح عن طريق ناقوس، كان غرقان في قاع البحر من سنين محدِّش يعرف عددها.
تمت...








































