كان الجوّ مشمسا على غير عادة أيام كانون الثاني في بلدتها، إلا أنها كانت تُمطرُ بغزارة في أعماقها. لم تحاول النجاة من سيل الذكريات هذه المرة، بل استسلمت لها، فطفت في ملكوت حضوره الغائب. أحست بلهيب أنفاسه قريبا من رقبتها، فسرت قشعريرة حركت كل ذرة في جسدها المرهق من المسير طيلة الصباح؛ هربا من العالم وبحثا عن ذاتها. أغمضت عينيها فداعب عطره أنفها، وبدأت تحس بخفّة جسمها وتسارع دقات قلبها...
— "طلبكِ سيدتي..."
باغتتها النادلة، فانتفضت كمن نجا من الغرق للتو.
— "أجفلتكِ؟ آسفة سيدتي."
أجابت بهدوء: "لا عليكِ"، ثم أردفت: "هل لي بقلم وورقة؟"
كانت تحب استعمالهما عوضاً عن التدوين في الهاتف حين يتعلق الأمر بالبوح؛ فقلمها كان أسرع من أفكارها، يسيل مداده بكاءً فتواسيه الأوراق. كتبت بطريقة محمومة كمن ينتقم من الكلمات بملاعبتها، حاولت أن تتقيأه كله بين طيات المعاني، لكنها كلما كتبته التصق بروحها أكثر، وتكاثرت أفكار وجوديته الحتمية فيها.
— "أيُّ لعنةٍ هذه؟!" صاحت واقفةً.
التفت إليها كل مَن في المقهى، وتسمرت النظرات عليها، فجمدت الدماء في عروقها للحظة. أحست ببرودة الورقة تحت يدها المرتجفة، وكأن الكلمات التي سكبتها للتو بدأت تتنفس بصوت مسموع. لم تكن الصرخة خروجاً عن اللياقة، بل كانت انفجارا لبالون الصمت الذي ظل ينتفخ في صدرها طوال المسير.
ارتبكت، ولملمت شتات نفسها وهي تعتذر بإيماءة رأس خفيفة ونظرة منكسرة اعتادت الجدران رؤيتها، ثم سحبت الورقة نحوها بقوة لدرجة أنها كادت تمزقها. نظرت إلى ما كتبت؛ لم تكن مجرد كلمات، كانت خارطة طريق لضياعها.
(لماذا كلما حاولتُ كتابته لأتحرر منه، صار هو الحبر الذي يسري في عروقي؟)
عادت النادلة بحذر، وضعت فنجان القهوة وصوتها يهمس بليونة:
— "هل أنتِ بخير يا سيدتي؟"
رفعت دلال عينيها، وكانت لمعة الدمع قد بدأت تجف تاركة أثرا من الملوحة على وجنتيها. ابتسمت بمرارة وقالت:
— "أنا بخير.. القلم فقط كان حاداً أكثر مما ينبغي، جرح الذاكرة."
شربت رشفة من قهوتها المرة، لكن طعم غيابه كان لا يزال أشد مرارة. نظرت إلى الورقة مرة أخرى، ثم ببطء شديد بدأت تطويها. لم تكن تطوي ورقاً، بل كانت تطوي جزءاً من روحها وتضعه في حقيبتها، مدركة أن الكتابة لم تكن يوماً وسيلة للنسيان، بل هي الطريقة الوحيدة لجعل الألم قابلاً للتعايش.
قامت من مكانها، تركت ثمن القهوة وخرجت إلى شمس كانون الثاني التي لم تعد قادرة على تدفئتها، فالبرد الحقيقي كان قد استوطن الورقة التي تحملها في جيبها.








































