صمتٌ مُطبق يلف القرية، ليس هدوءًا فحسب، بل كيانٌ جاثمٌ، وحشٌ أخرسٌ يلتهم الأنفاس ويكتم الحكايات. كان "عمران"، شيخَ هذا السكونِ المتعبد، يوصي السلالة بتقديسه كتعويذةٍ تحجب عنهم أشباحَ العالم الخارجي.
لكن "ليلى"، يافعةً كغصنِ ياسمينٍ متطلعٍ للضوء، تتوقُ روحها للعزفِ كقيثارةٍ. رأت في هذا الوجومِ القاتلِ قبرًا للألحان، وفي الهمسِ إثمًا يستحقُ البتر. ذاتَ قمرٍ مكتمل، بينما الكونُ يستحمُ في فضةِ الليل، أفلتتْ من ربقةِ السباتِ الجمعي، وتسللتْ إلى قلبِ الساحة. هناك، أطلقتْ عنانَ حنجرتها بنداءٍ أخرس، ترنيمةَ وجدٍ صامت، نشيجَ روحٍ أسيرةٍ تتلوى تحت وطأةِ هذا الخنق.
في تلك اللحظة، تمزقتْ أستارُ الوجود، وتمزقَ نسيجُ هذا السكونِ نفسه، انبعاثًا لزَلزالٍ روحيٍّ هوى بالقريةِ إلى هاويةِ اللاوعي. دويٌّ هائلٌ اجتاح الفضاء، ليس انفجارًا ماديًّا، بل صرخةٌ مكتومةٌ للبجومِ الذبيح، تمزقُ حجابَ هذا الهدوءِ الذي لفَّهم ككفنٍ. استيقظ القومُ على وقعِ هذا النشازِ الكوني، أجسادُهم ترتجفُ ليس من الهزة، بل من صوتٍ غريبٍ دنَّسَ قدسيةَ المناخ.
مع انبلاجِ الفجرِ الشاحب، تبددتْ غلالةُ الذهول. لم يجدوا أنقاضًا أو فواجعَ مادية. لكن مشهدًا أغربَ استقبلَ عيونَهم الشاردة: عمران، يقفُ كتمثالٍ من شمعٍ ذائب، ودموعٌ غزيرةٌ تحفرُ أخاديدًا في وجههِ المتجعد. بين يديه، كانت ليلى مُسجاةً كزهرةٍ ذابلة، وعلى ثغرِها ابتسامةٌ باهتة، سرٌّ لم يُفكَّ رمزه.
عندها فقط أدركوا أن الجوَ الذي ناجوهُ دهورًا لم يكن حصنًا، بل تابوتًا خانقًا لروحٍ متوهجة. وأن الانفجارَ المزلزلَ لم يكن نذيرَ فناء، بل صرخةُ احتجاجٍ أخيرةٍ لروحٍ آثرتِ العدمَ على حياةٍ مبتورةِ الأنفاس. أما الشيخ، فقد كان هو البستانيَّ السريَّ الذي غرسَ في روحِ ليلى بذورَ الألحانِ المكتومة، كان يرى فيها صدى شبابِهِ المكبوت. لقد ماتتْ ليلى لتوقظَ القريةَ من غفوتها، تاركةً وراءها وجومًا آخر، أشدَّ وطأةً وأكثرَ فتكًا، وقار فقدٍ وندمٍ مرير. لقد كان الجوُّ الذي استجاروا به، هو الجلادَ الهامدَ الذي اغتالَ فرحهم








































