ودت لو أنها تقترب منه وتضع يدها على
قلبه وتهمس بأذنه أنها تنتظره، كم ودت لو تتحدث معه، فقط لتخبره عن أحلامها وعالمها الذي لا يعرفه ولا يشعر به أحد، عالمها الذي تمنت أن يشاركها هو فيه وحده دون غيره، وأنه هو من حلمت به وأحبته وعشقته دون أن تراه،كم ودت لو حدثته عن والديها، عن اشتياقها لأمها وحنينها لأبيها «آهٍ ثم آهٍ لو يعلمون كم أعاني بصمت، فما تراه العين يأبى أن يصدقه القلب، وما يبصره القلب يعجز عن إدراكه العقل، وما بينهما مسافة من التيه وضجيج لا ينتهي.. هم يظنون أن عدم حديثي عنهما وصمتي أنني قد نسيت، ولكن كيف أنسى؟ هيهات أن أنسى، وهل ينسى الإنسان عالمه وتفاصيل حياته التى عاشها بحب؟..
كم أفتقد لذلك الشعور بالأمان والاحتواء، الله وحده يعلمكم أعاني بصمت.»
تململ أدهم في فراشه وهو يفتح عينيه ليجد حلم نائمة على كرسي مواجه لفراشه، أمامها بعض الكمادات والأدوية التي كانت تعطيها له أثناء غيابه عن الوعي، دقائق مرت عليه وهو يتأملها في هدوء، تناول ورقة من جانبه وقلمًا من الرصاص، وأخذ يرسمها وهو يتأمل ملامحها الهادئة، عندما استيقظت حلم وجدت أدهم أمامها يتأملها وهنا التقت عيناها بعينيه.
أدهم: كنتُ أعلم بأنك موجودة، بحثت عنكِ كثيرًا ولم أشك لحظة واحدة بأنكِ موجودة أو بأنني سأجدك، بحثت عنكِ بكل مكان هنا.. حتى أخذتني روحي إلى الجهة الأخرى من العالم،
حيث أخذتني خُطايا بعيدًا جدًا جدًا.. إلى فرنسا في رحلة البحث عن روحي.
حلم محدثة نفسها : تُرى.. هل هذا حقيقي حقًا؟ هل عاد لوعيه؟ هل يراني وينظر إليَ؟ أم تُراه أحد أحلامي المتكررة؟ هل أنا مستيقظة أم مازلت نائمة؟ كم أتمنى لو كان حلمًا أن يطول ولا ينتهي.
نظرت إليه والتقت أعينهما، أحست وكأنها غير مقيدة بمكان أو زمان، فقط عيناه تحولتا إلى عالم مستقل بذاته، عالم يشبه تلك الأحلام التي كانت ومازالت تراودها منذ أن أدركت أنها مختلفة، وأنها لا تريد حياة كالتي يحياها الكثيرون مضطرين وكأنها قد فرضت عليهم، قطع حبل أفكارها صوت أدهم الذي مال إلى الوراء دون أن يشيح عنها بعينيه وهو يقول بصوته العميق وكأنه أيضًا يأتي من أرض الأحلام: منذ طفولتي عشقت الطبيعة والأماكن الواسعة، لم تكن تستهويني ألعاب الأطفال التقليدية، ولم أكن ممن تستهويهم ألعاب الكرة،كنتُ بنظر الجميع مختلفًا.. أراقب تفتح الزهور وموسم تكاثر الفراشات، كنت أهوى ملاحقة العصافير، كنت دومًا أحمل معي أوراقًا وقلمًا لأنقل ذلك العالم إلى أوراقي، عشقت الرسم وتمنيت لو أصبح رسامًا عالميًاكمايكل أنجلو ودافنشي.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يكمل: أول مرة رأيتك بغفوة لي في حديقة.. رأيتك تطاردين الفراشات وتتحدثين مع العصافير، وعندما انتبهت لم أدرك وقتها أكان حلمًا أم واقعًا؟ استحوذت
صورتك على مخيلتي ولم تغادرني أبدًا، شعرت وكأنكِ تسكنين روحي.. ذات يوم أو ربما ذات حلم رأيتك تسيرين وحيدة على شاطئ البحر وقت الغروب، ظننتها فرصة سانحة لأقترب، ناديتُ وناديتُ ولا مجيب.. تسارعت خطواتي عساني ألحق بكِ، ولكن بلا جدوى، كلما اقتربت منكِ ابتعدتي أكثر، وقتها أدركت أن روحي أو ربما روحكِ أو ربما روحانا أصبحتا أسيرتان تبحثان عن اللقاء.. كنت أنتظر موعد نومي واُعد طقوس اللقاء لنلتقي، وأصبحت رؤيتك بالنسبة إليَ حلمًا وأمنيةً دعوت الله أن تتحقق، منذ ذلك الحين لم أعد أرسم غيرك، حتى ظن من حولي أنني مجنون وهم يسألونني عن صاحبة الصور، ولا إجابة لدي سوى صمت لم يفهمه من حولي، حتى جاء ذلك اليوم الذي رأيتك فيه على غير العادة بمكان صاخب تتلألأ به الأضواء، لم يكن حديقةً أو بحرًا ولكنه مكان لا يخطئه أحد، رأيتك تجلسين بالقرب من برج )إيﭭل( وهناك من يرسمك، لم أر من يرسمك.. وهل كنتُ أنا أم أحد غيري؟ فمجرد ظهورك كان يطغى على كل من سواه، أدركت وقتها أو هكذا ظننت أنني أبحث في المكان الخطأ، وأنكِ هناك حيث الفراشات والعصافير وحيث الحرية، تلك الحرية التي نفتقدها هنا.
كان هذا كفيلًا بتغيير مسار حياتي، وخطط والدي الذي كان يحلم بأن أكون مثله محاميًا بارعًا ليظل اسمه بساحات المحاكم، ولكن هيهات فقد كنت كالأسير الذي يتبع روحه، ألححت على والدي لأكمل تعليمي في فرنسا لأبحث عنكِ.. أو لأبحث عني
ليستريح قلبي المنهك من عناء الانتظار، مر عامان ، فلا أجدك ولا توقفت الأحلام.
حلم: يبدو أنني سببت لكّ الكثير من الألم فسامحني. أدهم: أنا منكنت أبحث عنكِ لأكتمل بكِ فلا تلومي نفسك. حلم: وكيف التقيت بزوجتك رين؟
أدهم مبتسمًا: ذات يوم ذهبت مع الكلية إلى الريف الفرنسي لنرسم من الطبيعة ويكون مشروع التخرج، وهناك التقينا أو هذا ما ظننته وقتها، فقد التقيت برين.
هنا دخلت لين وببراءة ذهبت إلى حلم وجلست بين يديها وهي تلتصق بها، ابتسم أدهم للين وهو يطلب منها الاقتراب محاولًا النهوض لاحتضانها وتقبيلها بحب واشتياق.
حلم: لقد عادت لك ذاكرتك واستعادت ما سقط منها من أحداث؟
أدهم: عندما هاجمني أولئِك الرجال حاولت مقاومتهم بشدة فقد كان يبدو عليهم الإصرار على قتلي، وأثناء ذلك ضربني أحدهم على مؤخرة رأسي بمقبض مسدسه بقوة ففقدت الوعي، وعندما كنت أتهاوى مرت حياتي أمام عينيَ وكأنها شريط سينمائي، طفولتي، دراستي.. أحلامي ورؤاي، سفري إلى فرنسا ولقائي برين، وذلك الحادث المدبر لاغتيالي، وموت رين..
هنا سالت دموعه وهو يقول: لم يكن لها ذنب.. كنتُ أنا المقصود بذلك ولكنها هي من ماتت، حتى حادثة الحافلة والتي مات فيها شقيقي أحمد عليه رحمة الله، وبعد ذلك لم أعي أي
شيء، حتى وجدتك الآن هنا تجلسين أمامي، وأنا من ذهبت إلى آخر العالم بحثًا عنكِ ولم أجدكِ.
حلم: ولكنك وجدت رين زوجتك ووالدة ابنتك أليس كذلك؟
أدهم: وهذا ما ظننته بأول الأمر عندما التقيت رين، ولكن منذ الأيام الأولى أدركت أن رين تحمل فقط ملامحكِ بينما أنا كنت أبحث عن روحكِ، وقتها تأكدت أن رين ليست هي من كنت أبحث عنها.
حلم: ولِمَ ارتبطت بها إذًا إن كنت أدركت أنها ليست من تبحث عنها؟
أدهم: ربما تعبت أو شككت للحظة أنكِ موجودة، وربما خفت أن أفقدها فأفقد إيماني ويقيني، ويصبح كل ما بذلته من جهد هباءً منثورًا.
حلم: وماذا حدث بعد ذلك؟
أدهم: منذ تزوجت برين وهناك حلم ظل يطاردني ويتكرر دون أي تغيير.
حلم: وما هو ذلك الحلم؟
أدهم: ذلك الحلم كان يتكرر بدقة دون أي تغيير،كنت أراني بمكان عالٍ أنظر لكِ من خلف زجاج وأنت تجلسين بحافلة تتوقف لدقائق قبل أن تغادر دون أن أستطيع فعل أي شيء، ظننته حلمًا عابرًا سوف يتغير ولكن هذا لم يحدث، فقد أصبح يتكرر كل يوم.. حتى قررت أن أرسم ذلك الحلم بكل تفاصيله، طوال
شهور بل لسنوات أربع هي عمر لينكنت أرسم ذلك الحلم، ولكنها ظلت دومًا صورة ناقصة.. شيء ما كان يجعلني لا أستطيع انهاءها.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بأسى: ربما تجدينها بالمرسم إن كان قد نجا من عدوان أولئِك الرجال الذين هاجموني.
حلم بخجل وعلى استحياء: نعم قد رأيتها.. وكم أصابتني بالدهشة والحيرة، بل أن كل ما تقوله يصيبني بالحيرة حقًا، فما تقوله أنت يبدو كقصة نصفها عندك ونصفها الآخر عندي.
أدهم: ذات يوم كنت أؤمن بالحظ، حتى أدركت أنه لم يكن حظًا ولكنه قدرًا.
حلم بتردد وخجل: أنا أيضًا كنت أبحث عنك ، كنت أراك وأسمعك حتى ظن بي من حولي الجنون، كنت أتحدث معك، أشعر بأنفاسك.. أغمض عينيَ وأستحضرك.. كنت أنتظرك، نعم كنت أنتظرك.. نعم كنت أنتظرك.
قالت ذلك وأطرقت خجلًا حتى توردت وجنتاها بحمرة الخجل.
أدهم: حدث كل هذا دون أن نلتقي.. فماذا لو التقينا؟ حلم تردد ما قاله بلا وعي: حقًا.. ماذا لو التقينا؟ بتمعن
ورقة.. كنت أثق أننا سنلتقي، حتمًا سنلتقي
يتبع








































