وشى بي أحد هؤلاء الذين يساقون الناس بالرشاوي إلى ظابط الشرطة, ليلصقي بي تهمة من التهم الكبيرة, فقد بدوت في أعينهم من هؤلاء الذين يثورون ليغيروا تظام الحكم, كنت في نظرهم من المتمردين الذين يسعون إلى الفساد, وإثارة الهرج والمرج والقلاقل, ومحاربة الدولة, وإسقاط النظام, فهم أسياد البلد, ونحن الضعفاء نحمل لهم الحقد والضغينة, ونريد أن ننحيهم, وننتزع منهم حقوقهم وأملاكهم, فهم جميعا في مركب واحد, ويجب أن يكونون يدا واحد في مواجهة أخطار من يتشدقون بالحرية والديمقراطية, وهم لا يريدونها وإنما هي منفذ لتحقيق رغباتهم في الاستيلاء على السلطة وحكم البلاد, ولم أعرض على النيابة في هذا المساء, وأرجأوني ليوم السبت, حتى يحكموا التهم, كانت الساعات تمر بصعوبة في الحبس, وكانت حكايات المساجين تغزو سمعي, فما أعجب حياة هؤلاء الناس وأغرب حكاياهم في عالم الإجرام, فالسجون تحمل خلف جدرانها أهوال لا يعرفها إلا من دخلها, وأقام بينهم, فلهم أيضا قواعدهم, التي لا يخالفونها, ولا يحيدون عنها, قيد شعرة, لأنها بمثابة قوانين لا ينبغي مخالفتها, ومن يجرؤ على مخالفتها يكون من المنبوذين, ويعرض نفسه للعقاب, ولهم أيضا آداب يتبعونها وإن كانت تخصهم داخل السجون فقط.
هل أنا أحلم؟ أيعقل أن أسجن بتهمة حيازة مخدرات, ومتاجرته, وأنا لم أعرف يوما شكلها, يُزج بي وسط هؤلاء السجناء, وبتهمة خطيرة وأقضي سنوات بلا جريرة, سوى أني أردت أن أنصح الناس, ويضيع حلم أمي التي يقتلها الحزن الأن وحدها, أنها فجيعة أن أكون بين يدها, ثم تفتقدني في لحظة, كيف تعيش الآن؟ ولم يعد لها أحد, كنت وهي نعيش وحدنا منذ أن مات أبي, عملت في كل شيء, حتى تعلمني وتراني أكبر يوما بعد يوم, تضع أملها المنشود في أن أكبر, ثم تستريح من عناء العمل’ وحين أكبر وأجد الوظيفة الملائمة, وتتنفس الصعداء, وتشعر أنها أدت رسالتها, فإذا بها تفقدني إلى الأبد وأعيش بين جدران السجون, وتعيش هي باكية حزينة تستنزفها الأيام, وتنهش فيها الساعات ببطيء شديد, فلا هي حية ولا هي ميتة, أتصورها الأن جالسة على أريكتها في صالة المنزل, أمامها طعام بسيط, تعاف أن تأكله وحدها, كانت تنتظرني دائما, كي نتناول طعامنا معا, تشعر ببهجة وأنا أجلس أمامها على الطاولة, تمد يدها بقطعة لحم كبيرة لأتناولها, وتكتفي هي بقطعة صغيرة, تقول إنها تشبع حين تراني فقط أمامها, هي الأن كسيفة البال, حزينة القلب, تضع يدها فوق رأسها, تندب حظ إبنها العاثر, الذي تربى يتيما, لم يذنب في شيء, كان طيع, يحب الخير للناس, فلماذا يصيبه ما يصيبه, أرى دموعها تتساقط على خديها, تشق بنارها وجهها المنطفأ, هي أيضا في بيتنا, رهينة المحبس, كانت تقول كل مكان لا أراك فيه, هو كهف مظلم, خانق لا أستطيع أن أعيش فيه, كانت تقول وتكرر القول: أني الشمس التي تشرق على حياتها, فتضيء أيامها, أما الأن فلا شمس ولا ضوء, يقتلها الهم ويحيل حياتها إلى جحيم, وأنا ايضا أعيش في سجون, وليس سجنا واحد, كل مكان لا أجد فيه وجه أمي هو سجن, والقضبان التي تحيط بي سجن أخر, هل سألتقي بها ثانية خارج قضبانه, أملك حريتي, أعود إلى البيت, تستقبلني, كانت تُلح علي منذ عام كي أتزوج, لم يعد ما يحجمني عن الزواج, كانت تعرض علي, فتاة رأتها هنا أو هناك, تستعجلني كي تراني وفي يدي زوجتي, وترى أحفادها قبل أن تموت, تحملهم بيدها, وتهدهدهم وتلاعبهم وتلاطفهم, ويملأون حياتها سعادة, أملها الباقي, التي كانت تنتظر أن يتحقق, وكنت أتمهل قليلا, كي أكون قد تجهزت تماما, فلا ترهقني الديون, كانت كل ليلة, تحلم بهذا اليوم الموعود, يوم زفافي, خزلتها الأيام, وهي صغيرها بموت زوجها, وحملتها العبأ, كي تربي فتاها الصغير, وتصارع من أجله, والأن خزلتها مرة أخرى بعد أن ملأها الأمل, كأن الدنيا عاقبتها على عملها المضني بأن صفعتها على غير ذنب منها, كما عاقبتني بالسجن على غير ذنب, سخرت من الأقدار وكلما اقتربنا من شاطيء النجاة بعد جهد جهيد وعمل شاق, فإذا هي تغرقنا في يم سحيق, لا أدري كيف تفسر أمي كل مايصيبها, أهو لعنة أوغضب أم سحر, فهي تفتش في ذاكرتها عما فعلت في حياتها من قبل, لعلها أذنبت ذنب لا يغتفر, فعاقبتها السماء بعقوبة شديدة, بفقدان أبنها, رميه بين السجون, إنها تقدح زناد فكرها ولكنها لم تصل لشيء, فهي امرأة بسيطة تخشة الله, وتتحر الحلال والحرام, وتخاف عذاب الأخرة, وعقاب الله لها, فهي تتقيه في كل شيء, لا أدري كيف تنام؟ وهل يرقأ لها جفن في غيابي, وهي تعلم حالي بين هؤلاء المجرمين من بني البشر, كم أنا أسف لها, في زيارتها القادمة لي, لن أبدي حزني, وسوف أُظهر قوة وابث فيها الأمل, كي تقوى وتنتظر خروجي من السجن, لأحقق لها أمنيتها في الزواج, وإنجاب الاطفال, الذين يملأون حياتها بهجة, فالسنوات تمر سريعا, سوف أقول لها ذلك, وسف تتفهم ما أعنيه, لا بد أن تعيش, أن تبقى, ولا بد أن نعود كما كنا, نكمل ما بدأنا, فهي كانت تقول لي إنها ترى في, حنان أبي وصلابته, عند الإزمات, ساذكرها بما كانت تقول لي في زيارتها, فلم يبقى إلا أيام قلائل, وتأتي لزيارتي كما عودتني, ولكني كنت أراها في تنطفأ, تذبل وهيئتي تقلقها وتحزنها أكثر, وتثقل عليها, ونظرها من كثرة البكاء يكاد يتلاشى, ما أشد ما تحملت أمي من قسوة الحياة ومرارتها, أظن أن زياتي ترهقها, وهي تراني في هذا الوضع خلف قضبان السجن, وخيالها يسرح فيما أن فيه, فيأكل من عظامها, وينخر في قلبها, ويسحق لحمها, حتى خسرت الكثير من وزنها, فقد قلت لها قبل ذلك ألا ترهق نفسها بالمجي, والسفر كل هذا المسافة, وهي في هذه السن, ولكنها لم تخلف مرة واحدة ميعادها, وهي تحمل لي ما تيسر من طعام وزاد تزودني به من قوتها القليل, الأيام في السجون, غيرها خارجها, فهي بطيء للغاية, هنا تمر الثواني في دقائق, والدقائق في ساعات, والساعات أيام وأسابيع, والأيام شهور متصلة, فإذا مر عام فإنه أعوام, جاء يوم الزيارة, كنت أتهيأ كعادتي, يدخل الصول, وينادي على الأسماء, فاسمي يأتي في المقدمة, فأمي أول من يحضر من الزائرين, ينادي؟ هل تأخرت أمي اليوم, يناد, ينتابني القلق, وعين الصول تهرب مني, حين أنظر إليه, يصمت, هل من أسماء أخرى؟ يجيب لا, كيف؟ أنظر مرة أخرى, لعلك نسيتني, فأمي جالسة, تنتظر خروجي الآن, جلست في ركن الزنزانة, لا بد أن أمي مريضة, أشعر بذلك, ينادي الصول بعد انتهاء الزيارة, لعل أمي تأخرت وأشفق عليها الضابط, أن ترحل دون أن تراني, دخلت حجرة الضايط أبحث عن أمي في جوانبها, لكنها لم تكن هناك, عين الضابط تهرب من لقاء عيني, قلت أهي مريضة؟ لكنه لم يجيب, صمت ملغز بل مرعب, أخذ يربت على كتفي في شفقة لم أعهدها من قبل, وهو يقول ولدتك تعيش أنت, ما أشد ما تصنع الكلمات, فهي أحيانا خناجر, تشق الصدور, ومشانق تدلى منها الأجساد, ورصاصات تندفع مصيبة أحشاء المرء, فيتهتك كل شيء, ليصير أجزاء متناثرة من المستحيل أن تعيد ترتيبها مرة أخرى, لكن أمي لم تمت, موتة عادية, إنها قُتلت بيد مجرمة, نفس اليد التي قتلتني قتلت أمي, أصبحت أيام السجن أشد وطأ, لم اعد أحتمل, ضاق صدري, وأمتلأ قلبي ضغينة بعد موت أمي, انتابني شعور بالإنتقام لنا, لموت أمي وموتي, ولكن ممن يكون الإنتقام؟ أغرس خنجري في صدر من؟






































