الرسالة
عزيزتي أكتب إليك وقد أنهكتني الحيرة والدهشة من أمرك, فأراك تقفين على مسافة مني لا تتجاوزينها, رغم ما في عينيك من حب, لا حدود له, أشعر بأنفاسك تلفح خدي, وتبث الطمأنينة في عروقي, وتملأ روحي, فإذا بك كلما أفقت أراك واقفة هناك, على البعد مني, كيف أفسر هذ؟ا ما كل هذا القرب مني؟ ثم التنائي عني؟ أعلم أني أحبك وأن كل جارحة في تحبك, أي لغز تحمله عينيك, ولا تريد أن تخبرني به, ألقي بكل شيء يحيرك مني, ويبعدك عني, أقسم أني لا أعلم من نفسي, إلا أنها تحبك, طواقة إليك هائمة بك.
عزيزتي لماذا كلما هدمت جدارا بيني وبينك, أقمت ألآف الجدران بيننا؟ لماذا كلما شعرت, بأني أقتربت منك أبتعدتي عني, أهكذا يكون الحب؟ أني لأعلم علم اليقين أن لقائنا لم يكن صدفة, أنما هي المقادير, التي ألقت بي في أتون الحب, لم يكن لي حيلة كان كالإعصار, أجتاحني وغمرني, وكان ما لا بد منه, فما حيلة قلب قد سقط, وعقل قد خلب, وليكن قلبك ينبوع نرتوي منه, ماذا بعد أن أظلنا الحب, أهو الهروب إذن, ولكن لماذا؟ ما يمنع بعد أن ألتقت أرواحنا أن نمضي قدما معا, أن نتدرع لمواحهة الصعوبات, أن أرى بعين قلبي, سرا عظيما, لا أدري ما هو, هذا هو السر الذي يأبى عليك البوح, والذي يصدك عني أحيانا أظن أن قلبا كقلبك قد مسه الحب, أهو جرح قديم, ما يحجبك عني, أسرق أحدهم قلبك, ثم باعة بثمن بخس, فأنت تحجمين عني, لأن بك أثر قديم, أتاب قلبك عن النبض من جديد, أيهاب الحب ثانية, أنا لا أدري ولكن لتريحي هذا القلب التعيس, أن قلبي لم يكن له تجربة من قبل, فهو بكر وأنت أول من أقتحمه.
وطويت الرسالة, ثم وضعتها في الكتاب, وأعطيته إياه, لعلي أظفر بجواب يريح القلب والعقل من الاضظراب والقلق والحيرة, التي تطاردني بعد كل لقاء بيننا, وقدمت لها الكتاب بعد جلسة من جلساتنا الممتعة, التي تناولنا فيها أطراف الحديث إلى موضوعات شتى, ولمحت في عينيها سعادة بحوارنا, كانت نفسها دائما متعطشة إلى المزيد من علم وأدب وفكاهة, كانت تضحك إلى حد البكاء, كانت شفتيها لؤلؤتين تلمعان دائما, أصبحت للحياة معنى بعد أن كانت حياة فقط, كانت تتغلغل إلى نفسها فتعشقها من فرط المتعة, ألأني قدمت لها الكتاب وسرت في جسدي رعدة خفيفة, ووعدتني وهي تمضي قدما بعد أن أنهت عملها, وهي تسير وتشير إلي بيدها, على موعد باللقاء غدا حين كانت تغادر يمضي الوقت ثقيلا أقضيه بين التأمل والقراءة, وأسترجاع أحاديث السلوى الوحيدة, التي تعينني على قهر الوقت.
إن القلق وحش يلتهم النفس والقلب, وينهك الشعور, حين يدب في جسد, ينتشر فيه كمرض خبيث, لا يترك جزء منه إلا ويصيبه الألم الشديد, ألم حي في لحم حي.
سنوات من الأرق, في تلك الساعات, التي تفصلنا عن النهار, عن الرؤية والوضوح, ترى كيف سيكون رد فعلها أمام الرسالة؟ هل تمزقها؟ هل تحتضنها؟ تقبلها تنام كالفراشات على أطراف أناملها, ستدخل بعد قليل, وهي تبتسم لي, تمد إلي ذراعها, ولعلها من فرط السعادة, تحتضني هذا ما هيأ لي خيالي, فالساعات تمضي, وهي لم تأتي, ترى ما حدث أتراني قد تسرعت, في أمر الرسالة, في البوح, هل كان خطئا ما عزمت عليه, وما كنت أراه في العيون, وعلى الشفاه, أكان وهما وأن كل ما كانت تفعل شيء عادي, طبيعي أن تفعل ذلك, مع كل مريض يأتي إلى هنا, أم أني خدعت بتلك النظرات الهائمة, لا أدري, لكن هناك شيء خفي, لا أعلمه, ترى ماذا يكون هذا الشيء؟ لو أعلمه حتى يزيل كل قلق, أو شك يراوضني, لأهدأ بالا, وأستطيع أن أستجمع قوايا, وألملم أشلائي المتناثرة, لكنها لم تأتي هذا اليوم, تضاعفت أثقاله وهمومه, كأني أحمل جبلا فوق رأسي, لم أكف عن التفكير في هذه الليلة الليلاء, حتى طلع نور الفجر, وغزت أشعة الشمس العالم, إيذانا ببدء يوم جديد, وهلت كم تهل الشمس على الدنيا, وتحيلها إلى معنى رقيق, ينفذ إلى أغوار النفس منتشيا سكيرا.
أبتهجت بها كأني طفل فقد أمه, فإذا هي أمامه, فيبكي غاضبا منها, إن تركته من يديها, يتوه بين الناس, كان في يديها كتابا, وقفت فوق رأسي وإبتسامتها تملأ وجنتيها, مالك؟ هكذا قالت, أأنت مريض, يبدو عليك الأرق ألم تنام ليلة أمس جيدا, أخبرتها عيناي بكل شيء, توتري وقلقي, وضعت الكتاب على الطاولة بجوارها, تناولت علبة الدواء وأخرجت قرصين, وأمسكت كوب الماء بيدها الأخرى, ناولتني أبتسمت إبتسامة الظافر, تمدت على فراشي أحكمت الغطاء علي, أرتاح قليلا ريثما أنتهي من المرور على المرضى, هدأت أخذت نفسا عميقا, تنهدت غرقت في سبات عميق, بعد ساعتين جاءت لتجلس كعادتها في مواجهتي على الكرسي المقابل, فتحت عيني فإذا بها تقرأ في كتاب, تنحنحت أصدرت صوتا خشنا, طوت الكتاب وأخذت تحدثني, وكيف كان أنساها فقد مرضت والدتها فجأة, ولازمتها حتى تعافت في اليوم التالي, أتصلت أمس بالمستشفى, وأخبرتهم أنها لن تأتي, لظروفها الطارئة, أعتذرت لي أيضا لأنها لم تقرأ الكتاب, ولن نتناقش فيه اليوم, ربما بعد يومين أو ثلاثة, كانت جلساتها متقطعة لمتابعة المرضى, وكنت أتسال هل قرأتها, هل لاحظتها, إنها لم تفتح الكتاب بعد, إذن إنها لم تقرأها, حين همت بالرحيل قلت لها, لا بد أن تقرأ الكتاب في أقرب فرصة, أشتاق لرأيك فيه, كاتبه وأسلوبه, أبتسمت إبتسامة رقيقة, ولكنها لم تجيبني بشيء, ورحلت كما يرحل كل طيف جميل, كان جوابها لا إجابة فيه, سرحت بخيالي وأفكاري, أسترجع حديثها ونظرتها وكل لفتة من لفتاتها, كل حركة وهمسة, إن وجهها لا يفارقني, كم هو جميل رائع يبهر كل من رآه, فكل ما فيه جميل, لحن متوافق النغم, يبعث في النفس شعورا هائلا بالأمل والحب.
قد يبدو عليها الحزن أحيانا يطل من عينيها, ويرتسم فوق شفتيها, وتحاول أن تخفيه, وأنت لا تستطيع أن تصل إلى مصدره, أهو اليأس من شيء ما, فما كنه؟ هذا الحزن, أجاهد نفسي في معرفته, ولكنها من الذكاء, بحيث تحيل ذلك الحزن إلى سعادة, وربما تكون سعادة مطلقة, تجعلك تكذب نفسك وتشك في أمر عينيك, التي رأت أنها نسيت الكتاب, التي كانت تقرأ فيه, أحمله برفق أتشممه, أقبله هائما مبتسما, أذهب بخيالي بعيدا أسترجع أيامنا الماضية, لحظات الأولى عندما ألتقت العينان للمرة الأولى سحرهما ما فعل بي وبقلبي, أتصفح الكتاب, أتحسس مواضع يديها, أقبله مرة أخرى, أنتشي كسكير لعبت برأسه الخمر, وخامرت عقله ولبه, تسمو روحي, أصير لا شيء, هواء ربما, يتضاءل وزني, حتى أصير كريشة في مهب الرياح, تنطلق روحي سابحة في الملكوت, تنطلق من قيدها, لتهيم في عالم علوي, لا يكبح جماحها شيء, ولا يوقفها شيء, تنتقل بين السحب, تغازل النجوم, تعانق القمر, وجها لوجه, وجمالا لجمال, أداعب الطيور في جنبات السماء, ألقي تحيات إلى كل موجود يقابلني, الصفحة الأولى في الكتاب, أتخطى العنوان, صفحة الإهداء, ثم التمهيد, ثم ماذا ما هذا رسالة؟ أتكون منها بلا شك, إنها لم تنسى الكتاب تركته لي, أنتبهت حدقت في الرسالة مرات قبل أن أستوعب, ثم بدأت القراءة.






































