كانت يد أمه تستقبل قبلته عليها كل صباح, فدعواتها تنهال عليه, فهي لا تفارق سجادة الصلاة, وهي قريبة من الله تؤدي صلاتها أولا بأول وتستمر في دعائها للجميع, أبتسم لأنه طيلة حياته لم يشبع من تقبيل يد أمه, ولا هي تكف عن الدعاء له ولم تمل, نزل على السلم في نشاط, أقدامه تطوي الأرض طيا, وهو ذاهب إلى عمله, فهو يحب عمله الجديد, أيضا يشعر بأن الحياة أعطته له الكثير مما حرمت غيره, فالقناعة والرضا شيء مهم, أتصل بمديره في العمل أخبره أنه سيتأخر ساعة, فقد تذكر أن اليوم هو الثاني في الإنتخابات, ولا بد أن يدلي بصوته كما تعود, فهو يرى أنه واجب لم يتركه أبدا حتى ولو أبطل صوته, حين لا تكون لديه قناعة بأي من المرشحين, فكثيرين من يأتون بالوعود الكاذبة, فحين يعلون منصة المجلس لا يتذكرون من كان السبب في أن يعتلوها, وتكون لهم الوجاهة التي لا تتطلب منهم سوى تلك الوعود, حضور عزاء أو مباركة في أفراح قبيل الإنتخابات, ثم ينتهي كل شيء, ويتكرر الفعل بعد سنوات, تذكر مرة أن بعض المرشحين صلى العصر, وكان يرافقه عدد من كبار الأسر, فلم أنتهى من الصلاة, سرعان ما قام ليؤدي السنة, ولم يكن هناك سنة بعد صلاة العصر, فتعجب القوم وأبتسمت بعض الوجوه, وعادت لوقارها الكاذب, أراد أن يجود فاخطأ, لا باس فغالبا هم لا يعرفون الله إلا في هذه الأيام, ليظهر عليهم الورع, ويظهروا أنقياء قربيين من الله, ليكون لهم الحظوة عند الناس, لكنه رغم ما يتذكره يحمل الأمل في قلبه في التغيير, الذي يشمل الكل, ويذهب للصالح العام, ومنفعة الناس, حين وصل إلى مقربة من اللجنة, رأى جلبة وأمة من الناس وأحاديث وأصوات عالية, فلازال الفقر والجهل علم على الكثير من أفعال الناس, إنهم يتداولون حول قيمة الصوت, إنهم يبيعون أنفسهم من أجل المال, يبيعون أنفسهم بأثمان بخس دراهم معدودات, أو كيس سكر, زجاجة من زيت الطعام, ربع شاي أو مائة جنية, ما أخس المساومة, إنهم يعتبرونها الشيء الوحيد الذي يستفيدونه من العضو المبجل, فهو موسوم بيع الأصوات, وهي في إعتقادهم مساومة مشروعة عادلة, فسوف يعوض خسارته لشراء الأصوات حين يكون في المجلس, يتمتع بالحصانة ويكون له قدره على الاختلاط بالمجتمعات الراقية, ويعقد الصفقات, التي تدر عليه عائد مادي محترم, وبجانب ذلك يوظف من يريد من أقاربه, ولهم الشرف في طاعة العضو المبجل, فطابور المساومة طويل ولا شك إنه هو الفائز في نهاية الأمر, فهو من يجلب المعاتيه إلينا, فلا يملكون علما أو رؤية ولا ضمير, انما هو المال الحد الفاصل بين الجلبة من يملك المال ينجح ليس من الضروري أن يمتلك مواهب أخرى, فهي كفيلة وحداها بشق طرق النجاح هم لا ينظرون إلا تحت أقدامهم, لا رؤيا تستحثهم على النظر بعيدا, تعثرت قدميه في حجر صغير كاد أن يقع على وجهه لولا بقية من إحراج جعلته يتماسك, ويصلب عوده مرة أخرى, هل يعود كما جاء لأنه لا أمل في النجاح, طالما أن حظ المساومات أعلى, إن إنقباض قلبه يعود كلما رأى المنظر, يتكرر وكلما حدث نفسه قبل أن يأتي بأن الأمر هذه المرة سيكون أفضل وإنه ربما يكون طابور المساومات قد انتهى أو على الأقل يكون هو الجانب الأضعف, سنوات وهو يخدع نفسه حتى لا يتواطيء عن الذهاب للأدلاء بصوته, لكنه منذ سنوات وهو لا يحرك ساكنا, يرى نفس الطابور ولا يحرك ساكنا, يتأفف ولا يتعدى تأففه الإشمئزاز من الصورة, التي تتكرر دائما أمام عينيه كل أربع سنوات, فلو فكر في خوض تجربة الكلام مع هؤلاء المنقطعين للمساومة, لتجربة التخلي عنها ليشاركوا ويعبروا عن أرائهم, ليقفوا بجانب الحق والأفضل, ومن يساعدهم لينقذهم من جهلهم, ومن فقرهم, مطالبا بحقوقهم ربما هم لم يروا الجانب الأخر, وقد أسدل المنتفعون وعبيد المصالح أستار حول رؤية الحقيقة, والجانب المشرق, إن صلح الإختيار. قال لنفسه فلو ذهبت وتحدثت معهم وأوضحت لهم عاقبة إختيارهم, ثم هم أحرار بعد ذلك, فيما يفعلون لأصبح إيجابي, ولا ضير علي من المحاولة, فنحن أبناء أمة واحدة, ومصيرنا واحد, وهم بعملهم يعرقلون مسيرة تنميتنا, وإن كانوا لا يدركون فداحة ما يفعلون, فلأذهب فليس في يدي ما يرهبهم أو يخيفهم, إنما هي الكلمة, إن مست ضمير أو لامست قلب, فهي السحر الذي ينقذنا من براثن الجهالة, ويأخذ بيدنا إلى الأمام, نبني بلادنا ونفكر في الصالح العام, قبل المصالح الشخصية الموقوتة والتافهة أمام المصالح الكبرى, التي تمس الناس جميعا, ساقتني قدمايا إلى تلك الحشود أغلبهم من النساء البسيطة, وفيهن عواجيز, العبايات السوداء سمت, يشعرك بالوقار أحيانا كأنهم في عزاء أو يجتمعن للذهاب إلى إحدى المستشفيات ليعودوا مريضا أو هو علامة حين يبيع الإنسان نفسه, فلا بد أن يرتدي السواد, فهو تعبير عما يكمن في داخلهن من حزن باطن, هناك رجال أيضا وإن كانوا أقل من النساء بما لا يتجاوز الربع, وبعض من يصطادون في الماء العكر ممن أنهكتهم البطالة, فيلعبون دور المنظم, وأيدي أصحاب المال ممن يرمون لهم الفتات, ليجمعوا حولهم مؤيدين, يهتفون بأسماء أربابهم, فهم يقدمون لهم القرابين في كل لحظة, ويدافعون عنهم دفاع المستميت, الذي يموت من أجل حق أغتصبه المغتصبون, أدرك للوهلة الأولى أنه ربما نجح في إستمالة البعض, وما إن بدأ الحديث في توضيح أمر أصواتهم فطرقت بعض الرؤس منحية, حتى أدرك ذئب من هؤلاء المأجورين خطورة ما يقول وأثره على نفوس الناس, فهاج وماج ورماهم بالإلحاد, وقد تفتق ذهنه بتهمة لا يقف عندها الناس ليعرفوا حقيقتها من كذبها, أنقلبت الوجوه وعلت الأصوات وأمتدت الأيدي تدفعه وصرخت أحداهن ورمته بتهمة جديدة,وكانت مشاجرة عنيفة, سال الدم من رأسه وأستدعوا الشرطة, التي كانت على أهبة الاستعداد في يوم هكذا, تحرص الأمن كما يقولون أمن العضو ومؤيدوه, وفي المركز لحقته عدة تهم الواحدة منها تكفي لسجنه لسنوات, إنه تاءه ويبدو عليه الذهول, إنه لم يفعل شيء, كل ما في الأمر إنه اراد النصيحة للناس, أن يجعلهم في حل من أسر أنفسهم أمام المال, والكلمات الجوفاء, التي تسكره ولا تشبعه, كانت المرة الأولى التي يدخل فيها القسم, عالم لم يره من قبل ولم يسمع عنه إلا في الرويات, حتى الرويات كانت تنقل لنا أكاذيب عن هذا العالم, فهو عالم لا يوصف لأنك لن تجد الكلمات, التي تصفه بصدق, فكل ما نقرأه مغاير لما يراه, كانت الأصوات عالية, لدرجة الصريخ, قادوه إلى الحبس, لحين عرضه على النيابة, كان اليوم طويل وشاق, أدخلوه هذا المحبس الغريب, الذي لا يليق بحيوان أعجم, حجرة صغيرة, وعدد لا بأس به من الناس, يتنفسون ويدخنون, ولها زعيم يأخذ الجباية في المحبس, وفي عقر دار الشرطة, يوجد من اللصوص من يفرض على المسجنونين الجباية, أخرج كل ما معه من نقود في منتهى الأدب, وقدمه لرئيس دولة الغرفة, فله صبيان يحيطون به, ويفعلون ما يأمر به, دون سؤال, ومن غير أن يكرر ما يقول على أسماعهم.








































