البداية
سهرورد
...مدينة صغيرة في بقعة من بقاع الأرض, واسعة الأطراف, تمتد على مرمى البصر, الجبال والتلال والسهول الخضراء, مزيج من السحر والجمال, الهواء النقي, والسماء الصافية, موفورة الرزق, أرضها الخصبة, تعطي الثمار, التي تقوم أود المدينة الصغيرة, مجهولة الهوية, رغم روعتها, تلك البلد الصغيرة أول ما وقع نظري عليها أرضها, وسمائها جبالها وأطرافها, تعثرت بها صغيرا وتعلمت الحبو على أرضها, لعبت مع الصغار من أمثالي, شاهدت كل ركن فيها, ولي ذكرايات, وقد أنحفرت في ذاكرتي بما يحمل من تلك المواقف قطعة من جسدي وعقلي, قد تركت فيها جزء مني, أو أني حملتها بين طيات عقلي وقلبي, فهي مهد طفولتي الباكرة, تعلمت فيها أول ما تعلمت القراءة والكتابة, حفظ القران والحديث, ودروس الفقه, كانت الخطوات الأولي, لتكوين ذهني وعقلي, والبذرة الأولي في ذوقي وحكمتي, ولم تكن تعطني إلا القليل, التي طاقت نفسي النهمة إليه من العلم والحكمة, كان عطشي شديد لتلقي العلم, لأسئلة كثيرة أملها علي عقلي, ولم أجد لها إجابات شافية, تروي الغلة, قررت أن أسلك كل طريق, وأحمل على عاتقي زادي إلى أي ركن في الأرض, أتزود منه علما, وأطوف في البلاد طالبا للعلم طالبا للحقيقة مهما بذلت في سبيله من الجهد والمشقة والتعب رجاء الوصول.
أصفهان
أصفهان...تلك المدينة الكبيرة الواسعة, يقول عنها أهل فارس, إنها نصف الدنيا, تجذب النفوس, إليها كما تخلب العقول, بما فيها من جبال وتلال, وأرض فسيحة خضراء الماء والخضرة والمنظر الحسن, في كل ما يقع تحت نظرك, أحبها أهلها حبا جما, وكل من زارها عابرا والكثير طاب له المقام فيها, أرض العلم والعلماء والمدارس والجامعات توافد عليها العلماء, من شتى بقاع الأرض, فكانت قبلة لكل عقل وفكر ومذهب, اجتمعت فيها من كل مذهب ونحلة, وملة اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين, بفرقهم ومذاهبهم جمعت أشتات من العقول والنفوس والأديان ألاف من الأفكار والاتجاهات والنزعات, والميول حركة دائمة مستمرة طاحونة لتقلب الأفكار وإعادة تدوير العقول واختلافها, أشتهرت فكانت القبلة التي شد الرحال إليها, فقد انتشرت سمعتها في العالم, وما بها من علم وعلماء, أفذاذ بعد أن أتخذها الملكشاه ابن ألب أرسلان مقرا وعاصمة لدولته, وأصبحت منارة للعلم وقبلة للعلماء, كان الملكشاه محبا للعلم مقدرا للعلماء, أفتتحت المدارس وأنشا المساجد, التي تتسع للحلقات العلم, وكذلك كان وزيره, فلم تكن هناك بقعة في الأرض أكثر اهتماما بالعلم والعلماء في ذلك الوقت من الدولة السلجوقية, وملكها ووزيره فشد العلماء إليها الرحال, وعاشوا في ظلها بأمن وأمان ورعاية, الملك ووزيره, فلم يكن يخلو يوم من اجتماعه بهم في هذه المدينة الكبيرة, كانت حلقة من حياتي, من تكويني الفكري, ففي هذا الجو العلمي المليء بالاختلاف والتنوع, كان أثر كبير على عقلي وملامحي, ونظام حياتي, حين تطلع على هذا الكم الهائل من المعارف المختلفة, وتستطيع أن تمحص وتحلل قد ينتابك الدوار في بداية الأمر, ثم سرعان ما تقف على أرض صلبه, بعد أن امتلأت رأسك بكثير من المتناقضات, الفرق الكثيرة, والتي يتقاتل فيها أفكار وأراء, الكل يحاول أن يدافع عن أرائه ونشر مذهبه, يعضد من عقله وفكره, يجمع من حوله الأنصار, كان العقل هو سيد الموقف مع شيء من التعصب, فلا يهزم الأفكار سيف أو قوة تفرض عليه من الخارج, قد تفرض القوة على الأجساد, فتهاب وتخاف, وقد تنادي الألسنة ولكن لا حكام على الضمائر, ولا سيطرة عليها فأنها لا تخضع سوى للعقل والمنطق, وراحة النفس, لذا كان الكل يجتهد في اثبات رأيه, وجذب الأخرين له بالحجة والمنطق شجع المناخ الفكر في هذه البقعة على نشأت الأفكار الكثيرة, فالحرية التي يتمتع بها العلماء في قول, كل ما يريدون دون أذى من سلطة خارجة, سلطة الدولة, التي ترهب وتجعل الأفكار في كهوف لا تخرج إلى عالم النور, فخروجها قد يكون فيه هلاك الإنسان وفنائه, ولكن هنا مزيج من الأفكار التي تنطلق حرة في سماء تعرف النور, وتقدره وتمنحه الحرية, في كل قول وفعل, رأيت اليهودي المتدين, والغير متدين, في هذه البلاد المسيحي الطائع والعاصي المجوسي, الذي يتفاني في عبادته للنار, فلا يتوان في الزهد, وتقديم القرابين تقربا وتدينا لمعبوده, والمسلم السني والشيعي, والسني الشافعي والحنفي والحنبلي, وأعداد لا نهاية من أفكار, لا يتوقف نسلها وتهجينها, وولادتها تقارب وتنافر مسالمة ومحاربة, وإخفاء وإظهار وأوان شتى من حيوات كثيرة, تكاد تفوق كل حد, نزلت مساجدها وجلست في حلقاتها المختلفة, الفقهاء والمفسرين والمحدثين, وأهل الكلام والفلاسفة, كنت أنهل من كل علم, أناقش وأجادل وأحلل, فلم أترك حلقة, إلا واندمجت فيها أشارك الرأي والأفكار, حتى حلقات الذكر وأهل التصوف, أخذت منهم بنصيب وافر, سلكت دروبهم, وأخذت نفسي بما فرضوه على أنفسهم من تقشف ورياضة, وذكر ماشيت الجميع ورويت كل ظمأ, وكنت أرضي عقلي وروحي, وأهتم بكلا الجانيبن مني
----
سنوات وأنا أسير مع القوافل, أجوب جنبات الفيافي أتسكع على عتبات البلاد, أبحث عنه في كل وجه, في القلوب التي تحدثني, أفتش عنه في الزحام, بين أودية الجبال الصموت, في الكهوف, أضرب بعصايا على أبواب الأرواح المغلقة, ولا من مجيب, ثلاثون عام كاملة كل سنوات عمري, وأركان البلاد خاوية منه، لا تستجيب لنداء قلبي, لا تلبي للروح معنى ..أغرس قدمي في الطين وأتوه وأحمل فوق يدي شعلة من ضياء القلب, فلا يراه الأخرون, أهتف بصوت جهوري ثلاثون عام في البحث بلا جدوى, والدرب يطول, والقلب المعنى لا يستقر من ثوارته ..
طال البحث والحيرة, التي أكلتني, ودبت في نفسي سنوات عديدة, ولا شيء سوى الضرب في أكباد الحياة والزمن, لعلها ترشدني إلى الطريق, أو تصل بي النهاية ما يشفي غلة نفسي المضطربة, ثلاثون عام هي كل عمري, منذ أن جئت إلى الدنيا, طوفت البلاد من شرقها, إلى غربها, من أقصى الجنوب, إلى أقصى الشمال, ولا نتيجة حتى الآن, إلا المزيد من الأرق, والبحث والتطلع إلى شيء, لا أدري ما كنه, وما ماهيته, ونفسي المؤرقة, مازالت تعاني, فكل ما حصلت عليه, كأنه يزيد الحيرة, ويربك العقل أكثر فأكثر, بدلا من أن يقربه إلى ما يبغي, ترى أين الخطأ؟ أين الصواب؟ هل ضللت بداية الطريق, فأنا الأن في حيرة, مشيت في طريق غير ما أريد, طريق العلم والتحصيل, تعبت قدامي من كثرت الترحال في البلاد, قابلت آلاف الوجوه والأرواح والعقوال والألوان, الكافر والمؤمن, الواثق الثابت, والمضطرب, أكلت رمال الصحراء من قدمي, وملت عيني الألوان والأشكال, العربي والفارسي والكردي والهندي, ومن بلاد بعيدة وقريبة, حملت كتبي على عاتقي, وزادي القليل, وانطلقت أعدو في سباق مع الدنيا, أجرب وأختبر, وقعت في أزمات نفسية وروحية, أنتقلت في الأسواق, أنظر في الوجوه والحياة, وأجابه وأنتقد وأحاور بالعقل حينا وبالصمت أحيانا, توقفت أمام الأشياء, متفكرا متسائلا ولا صدى لأي إجابة, ولا معنى لكثير مما تساءلت عنه, وأفضيت به, وصرت كأني كلما تعمقت, ظنا مني النجاة, وقد قاربت الشاطيء, إذا بي أغرق في خضم دومات وأمواج ورياح, تطيح بي, إلى أهوال وأهوال, أناشد الحقيقة, وكلما بدت من بعيد صارت كسراب, وإن الطريق مازال طويل وممتد, ولا أخر له, على مرمى البصر, ولكن أي طريق كنت أسير فيه غير طريق العلم, أيكون الجهل, هو الذي يشفي الغلة, ويصل بي إلى طريق النجاة, الذي أطلبه وأقطع إليه, ما قطعت من الزمن والسنوات في سبيل الوصول, ثلاثون عام والعقل قائدي, أطيعه واسترشد به وأشبع نهمه, وألتهم الكتب, واقرأ في المذاهب والفرق والفلسفة والمنطق, ولا أحجبه عن شيء, تاريخ الأمم والأديان, وطقوس وعادات وتقاليد, ووجهات نظر وأفكار, وركبت تيارا جارفا نحو الأغرب من العادات, والأبعد, تركت لنفسى أن تسبح, تخوض وتمتطي الأهوال, لم أحتجب عن أحد, خشية أن يؤثر في, وفي ديني الذي تعلمته وتلقيته, أحاور وأناقش وأحاجي, الفكر بالفكر, والمنطق بالمنطق, كنت أناطح الأفكار بعقل ثابت, لا يتزعزع, الجبهة قوية, والعقل عندي صخرة, بقوة المنطق والحجج لا يسعه إلا أن يخوض غمار المعارك, ويخرج سالما منتصرا بحجته ومنطقه, شهد له العلماء والفقهاء بالذكاء, فلماذا أكبته وأقتله تحت منطق واهي ضعيف, لا يقف أمام الحجج, ويتخاذل فهو لا ينحني إلا أمام الفكر والمنطق, ويعترف له, أما أكثر العقول التي تخضع, إنما تخضع لفكر السابقين, ومنطق الأخرين, تتلقاه دون رؤية ولا مناقشة, تتلقفه دين, لا يجب مناقشته وتحليله ورده, فهذا كفر, إنها تقتل العقل والمنطق نصرة للسابق, الذي ربما هو الأخر تلقفه عن السابق, تعين علي أن أساعده, أن أخرج من ظلمات الرضا وسجون الأخرين, الذين فرضتها علينا عقول متحجرة, لا تعي ولا تدرك, في الصغر راعيت له فضله ورعايته, فلماذا عندما كبرت أريد أن أهزأ به, بعد مشوار طويل خاضه معي بلا كلل ولا ملل, وخاض معي كل الحروب ببسالة, وقوة منطق, وكنت أفتخر به, وأعتز بكل ما يملي عليه به, الأن أقدح فيه, وأشك في أنه ربما سلكت طريق غير الطريق, وأن الجهل قد يودي بي إلى ما أطلب, وما أريد, إنه لم يشفي غلة عطش نفسي النهمة, ولكن من قال إن العقل والفكر كل شيء, ألا يوجد نفس وروح, تكمل ذات الإنسان وتركيبه, ألم يملي عليك عقلك من قبل, أن لك قلب يجب أن تعمل له حساب, وأن يكون له مكانة, وإنك بدونه لا تستطيع أن تصل وأن ترسو على الشاطيء, الذي تبحث عنه, وقد فرض عليك أمور وأشياء, أنت أيضا بدونه تتعثر ولا تهدأ, ولا تستريح, فالقلق في الجور في طمس جزء منك, وأن تعيش ربع أو نصف إنسان, فالتفريط إغراق في لجج, لا تدري أعماقها ومتاهات لا نهاية لها, قال لي العقل ذات مرة, أن أفكر أحيانا بالقلب, وأن أتركه ساعة من نهار, أو ساعة من ليل, لأن ذلك ليس من الحكمة في شيء, أن أتجاهل بعضي, جزء مني على حساب جزء أخر, ولا أدري هل أطيع أم أذعن لما يقول لي, وما أنا الذي أرفض هل أنا أخر, أم أني أنا شخصان في واحد, أم واحد في شخصين, أستمع لمن؟ وأرفض حديث من؟ وأين النجاة في هذا أم في ذلك؟ إني أتردد بداخلي ينبأني ولا أرى كل منهما, ولا أرى حتى نفسي, وأظل أبحث وأخوض جدلا هنا وهناك, وعلى مدار رحلتي, وهل أظل إلى أن أموت, أم أغير مسيرة حياتي, وإلى أين؟ وهل سيبقى من العمر ما يهيا لي, أن أغير؟ وأين أفعل بهذه السنوات, التي مضت من عمري؟ أرمي بها إلى البحر, تأكلها الأسماك, فأتخلص منها نهائيا, أم سيكون لها تأثير على ما يأتي من عمري الباقي, إن كان هناك بقية من عمر تساعدني على أن أبحث عن طريق أخر قد يصل بي إلى ما أريد, وما أبغي من حياة أفتقدها, وأبحث عنها, ليتني الأن أعلم, وأنهي حيرتي واضطراب عقلي وقلبي, إن الجوع, لا يرتبط بالمعى فقط, إنما هناك جوع من نوع أخر, جوع نفوس متعطشة إلى الوصول, إلى تلك الحقيقة, التي تصل بها الروح, إلى منتهى, إلى ذلك الشاطيء المجهول, حين تقف عليه قدم الإنسان, فتسعد به, بعد رحلة طويل, وألم ومعاناة وسنوات تقفدها في سبيل ما تطمأن إليه, وتسكن عنده, أليس جدير بها كل هذا التعب في دنيا, لا نجني منها إلا ما يظل قابع في الروح, بعد أن ينتهي هذا الجسد الفاني, الوقوف على أرض الحقيقة الصلبة, والتي يتلاشى فيها الجسد, ليعطي للروح حقه من الحياة, وحقه من الوجود, مكانته التي تليق به, وتسعى إليه, يعيش الأن باحثا عنها طوال الحياة, ليرقى بها ويعلي من شأنها, ويرتقي بها درجات نحو السمو نحو الأعلى, السماء البعيدة يعيش مع النجوم والكواكب, أليس جدير به أن يسمو إلى ذلك النور, ينسى أهوائه وشهوات جسده, وتلك الطبول التي تقرع في أذنه تسحبه إلى النشوة ولكنها نشوة زائلة وقتية, فهناك نشوة أكبر حيث متعة الروح الخالدة هناك, إنها لا تموت, لا تفنى لأنها من روح الله الأبدي السرمدي, يفني ما صنعته, ويبقى منا ما كان منه, قضية عادلة, يؤول إلى الفناء, ما كان فانيا, ويبقى ما كان أزلي, إنها جروح متناثرة يلتئم بعضها, وينتفخ ويمتلأ بعضها صديد وقيح, ويودي بالإنسان إلى النهاية, طالت الرحلة, فمتى تنتهي, وفي أي أرض تكون النهاية الحاسمة؟ لحظة الحسم الفاصلة, التي يقضي فيها الإنسان أربه, وتطمئن سريرته, أنا الأن أعد العدة للذهاب إلى أرض أخرى, غير تلك التي ذهبت إليها أرض جديد, أناس أخرون, ووجوه جديدة نفوس مختلفة, لما أشعر إنها الرحلة الأخيرة, لما يستولى على أحاسس غريب وصدى صوت يصرخ في جوانب نفسي, بألا أذهب, لما لا أطاوعه واستريح إليه؟ وأرمي برحالي إلى الأرض التي أعيش فيها؟ فهنا أعيش في سكون.. أتراك تعيش سعيد, إن تركت رحالك, وعشت بعيدا عن كل ضجيج, وهل تسمح لك نفسك بذلك, روحك المضطربة, كيوننتك التي تفزع وتؤرق عليك الحياة, وتستفزك للخروج والترحال, وهل دائما تطلب المزيد من الحقيقة,.. أراني إن جلست وأستكنت لن أظفر إلا بالقلق والنفور من نفسي ومن حياتي, التي لا حياة فيها, وأن ما يجعلني أقلق وأتقلب على نار الحياة, إنما هي الحياة, البحث والتنقيب والترحال وراء شيء ترضى له النفس الغائمة, فالضبابية والسحاب الكثيف حين يبدأ في الذهاب, ويصفو الجو وتتبدد السحب وتنقشع, فتزيل ما على النفس من غشاوة, أن تصابر ذلك هو الفوز هو النجاة ,وأعتقد أنني سأظل إلى أن أموت, فلما الخوف والقلق, إن كان خلفه قلق أشد وخوف أكبر, فلا تتحايل على الحياة, أنت أزهد الناس فيها, وإن طلبك منها أن تتكشف, تظهر لك حقيقتها, تميط اللثام عن وجهها, لتسفر لك بكل وضوح وشفافية, هنا تصل إلى رضاء النفس, وامتلائها تشبع منها لا شبع يرضي الجسد, وإنما شبع روح يظل ما كان في الحياة رمق منها, أعددت نفسي للرحيل, فإن القافلة سوف تغادر عند الفجر, ولابد أن أكون على أهبة الاستعداد.
----
كلما وقع نظري على الطبيعة المحيطة بي, شدني ذلك الجمال الكامن فيها, الحياة التي تفيض منها, الفيافي التي قطعت آلاف الكيلومترات منها, الرمال الصفراء الذهبية, صوت أقدام الإبل, والخيل حين تشق طريقها إلى المجهول, صوت الرياح بالليل حين تشتد الظلمة, ويفزع القلب من هولها, وفي الليالي المقمرة, حين يغطي الضوء مساحاتها الشاسعة, ويبدد كل خوف, النار المشتعلة, نلتف حولها بعد صلاة العشاء, نتجاذب أطراف الحديث, نتكلم في كل شيء, الحكايا وأقداح وحديث موصول وضحكات ونكات وأوراد, كنت إذ ذاك في المقدمة, يحيط بي غمار الناس, وأظل أروي لهم حكايا وتاريخ وفقه ونوادر, الكل يصغي في لهفة ووعي, كنا نقتل الخوف, الذي يطاردنا بتلك الحكايا, الخوف من اللصوص, وقطاع الطرق والعصابات, قد يداهمنا في أي وقت, ولكن لو ركن الناس للخوف, ولم يتحركوا خشية هذه التوقعات, لم دارت الحياة, نخرج إليها رغم العلم بها, أو توقعها ولكن لا بد منها, أن نقتل الخوف, الذي يطاردنا في هذه الصحراء, ونحن نتكاتف معا, نتماسك أيدي واحدة ضد الخوف واللصوص, إن الترحال شهوة طاغية, تمحو الخوف, تقابل الأهوال, قطار من الإبل يحيط به بعض الفرسان, تحمل القافلة من كل شكل ولون, بضائع من أقطار مختلفة, كتب علوم علماء سادة وعبيد, مجتمع صغير لعالم كبير, كل يعرف عمله ومكانه من القافلة, فإذا ما خل الكل من العشاء, ألتف حول تلك النار عدا حراس القافلة, الذين يتناوبون على حراستها, يحتاج الإنسان إلى ذلك الشعور بالأمان, بأنه ليس وحده, إنه يبدد الخوف, يستمع إلى الحكايا والأساطير ليلهي نفسه, وفي الليل الأخير يذهب الكل لينال قسطا من الراحة, ليقاوم بها عنف الصحراء وشردها, ونهارها الملتهب, لظى حفيف من حفيف جهنم, الكل يهرب منه بشق الأنفس, نحافظ على الماء أو نأخذ منه بقدر, فنحن لا نعلم ما يصيبنا فيها من كوارث ونكبات, شرد طوال النهار, وخوف معظم الليل, كنت أنظر إلى هذا كله, نظرة أخرى, نظرة الرهبة الممتزجة بالجمال, كنت أرى غير ما يرون فيها, سحر بالليل, وجمال بالنهار, سكون يبعث الهيبة ويوقظ المشاعر والفكر والتامل فيما تدور به الحياة, ما يسكن فيها ويحيط بها, رمال تعكس الضوء المنبعث من القمر, أو النار التي نشعلها, نباتات هنا وهناك, تقاوم لتعيش تحارب الظمأ, وتزداد قوة وصلابة, فلا تموت إلا بعد سنوات من المقاومة, هواء الصحراء بالليل حين تمتلأ به الصدر, فتترك شيء في أعماق الصدر, مساحة خضراء تزهر بساتين وأزهار مختلفة الأشكال والألوان, أتامل كل هذا, فيملأني حبا وشوقا, لشيء ما لم أكن لأصل إليه ولكنه يتضخم شيء في صدي, رصيد من الشوق المتزاحم, فإذا هل النور وغطى كل شيء, شعرت شعورا مضاعفا, بهذا النور يبدد كل ظلمة, يمحو كل خوف, تنفذ إلى القلب فتضيء منه أركانه, كل هذا الجمال, ولا نشعر به يمر علينا مرور الكرام, ما أجمل الجمال, وأروع النور, الذي يكسو كل شيء, فيضفي فيه, ويمتلأ به, مئات الرحلات والشعور به, لم يتغير ولم يصبه العطب, لان كل طريق يختلف, كل طريق له حاله المنفرد, اختلاف المناخ والأجواء والناس والوجوه, كل هذا يشعرك بأن الصحراء كل مرة هي صحراء جديدة, وجمال لم تبصره من قبل, فيتجدد الشعور كم يتجدد الإيمان في قلوب المؤمنين, وفي كل بلد أنزل بها, أتيقن من جديد أن الإنسان ذلك الكائن لا نظير له بين الخلائق, ورغم التركيب الجسدي, إلا أن الاختلاف يملأه ويتعقبه, ففي كل بلد بشر جديدة, وأناس أخرون, أفكار جديدة, وأرواح جديدة, حتى السمع والذوق, نغمات الموسيقى الألحان المنبعثة من الآلات الأصوات الإشارات, كل شيء يتقارب, ولا يتشابه الاختلاف يعم حتى الجمادات, الهياكل نظام البيوت, طلوع الشمس, نور القمر, المطر الموسمي, كل بلد لها ما يميزها عن الأخريات, كأنها تأبى أن تتبع عرف الأخرين, وألا يكون لها خصوصيتها وشأنها.
.وأنا الأن أقف على عتبات بلاد جديد, أرض جديدة, صولات جديدة, وجوه, لعلي أرى بغيتي حين أنظر إليها ...
أجلس في زاوية من زوايا الأرض العامرة, أفترش الأرض, أخرج من خرجي الذي أحمله طعامي الزهيد, أقيم به أود الجسد الفاني, ثيابي الرثة, وهيئتي التي تجعل الناس ينظرون إلي نظرة إزدراء, إنهم دائما تغيرهم المظاهر أكثر من البواطن, يحكمون على الإنسان من هيئة جسده, لا يلتفتون إلى الروح, لا يختبرون القلوب, ولا ينصتون لأحاديث الروح, فأخر ما يعنيهم أن يتفخصوا الجمال الحقيقي للإنسان, يموت من الناس كل يوم المئات والألاف, ويرون بأم أعينهم مصير أجسادهم, حفرة تواري العفن المتطاير, حين ينطلق الدود يعبث بكتلة اللحم والدم, فهل تستطيع أن توقف جيش الدود, حين يغزو اللحوم ويفنيها, حين يقف قلب الإنسان عن النبض, يقف النور, يخفت في الجسد كل شيء, حتى يصير لا شيء, .....سنوات من الجوع لا تكفيها سنوات من شبع الجسد, فلقيمات تبقيه ليتحرك ويمضي باحثا عن لقيمات تقيم أود الروح, ففي أي زاوية من الأرض آوي إليها؛ كي أنال ذلك الطعام.






































