سورة مكية من سور الحواميم المعلوم قضيتها الأساسية ، ألا وهي التركيز على التوحيد ونبذ الشرك وإخلاص العبودية لله وحده ،وبيان حقيفة الدنيا والبعث والنشور وماإلى ذلك .
ويرى كثير من المفسرين أن السورة سميت بهذا الاسم " الزخرف " لقوله تعالى فيها " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين "
يقول المفسرون : ومعنى الآية : لولا أن يكون الناس كلهم كفارا غير مؤمنين لفتح الله الدنيا على من يكفرون به ويجحدونه ، حتى يحصلوا منها مايشاؤون وإلى مستوى الترفه والزخرف ، فيظن الناس أن الكفر هو سبب هذا النعيم الدنيوي فيصبح هذا النعيم الدنيوي اغراء لهم بالكفر ، ولكن ومن لطفه سبحانه بخلقه أن منعهم بعض مايشتهون من متعها حتى يرجعوا إليه ويتعرفوا عليه ، قالوا : وفي الآية دليل آخر على تفاهة الدنيا في نظر الرب جل وعلا ، وأنه يمنحها لمن يحب ومن لايحب ، أما الآخرة فهي حق خالص للمتقين .
جميل جدا هذا التفسير ، ولكن بشيء من التأمل في السورة الكريمة ، يتضح أنها من أولها إلى آخرها معنية بتحطيم جميع أشكال الزخرف ، أو المعاني الزائفة التي سادت حياة الناس فيما يتصل بشأنهم مع خالقهم في الجاهلية ، كاعتقادهم أن الملائكة بنات الله - على نفورهم الشديد من إنجاب الإناث حتى تسود وجوههم من ذلك ويقررون وأدهن أحياء - وعكوفهم على تقليد الآباء والأجداد دون أدنى تفكير ومعاودة نظر ، وكذا اعتقادهم في تعدد الآلهة والأرباب ، وافترائهم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم له بالساحر ،وكذا اعتقادهم الخاطيء في المسيح عيسى ابن مريم ، لتحسم السورة الجدل بشأن حقيقته في جملة واحدة " إن هو الا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل " وصولا إلى توهم من توهم من قوم فرعون بألوهيته ، حين استخف عقولهم فأطاعوه ، فزين لهم هذا التوهم رغبة أو رهبة.
ثم توهم أهل الدنيا وغرورهم بها وبزخرفها ، وإيمانهم المزيف بكونها علامة على حب الله لمن فتحها عليه، وحقيقة فنائها الحتمي وسوء مصير من اغتر بها حتى ذهل عن آخرته .
فقبل الخاتمة تأتي هذه الآية الكريمة " فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون " ثم تعود السورة فتؤكد على أن الألوهية لله وحده ، لتختم بهذه الآية الكريمة " فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون "
هذا هو المعنى المحوري والقيمة التي لأجل بنائها والتأسيس لها حطمت السورة كل معاني الزخرف وأشكال الزيف ، قيمة السلام ، أعني بناء السلام النفسي بداخلنا جميعا حين تزدحم علينا الأوهام والزخرف وتتوه الحقيقة .
علينا حين نعيش هذه الحالة التي لاانفكاك منها ، ألا نحزن ولانكتئب حين نرى الحقائق معكوسة والباطل مزين ومزخرف ، بل ومتبجح وعالي الصوت ، فهذه هي حقيقة الدنيا التي لم تكن أبدا دار حق وحقيقة لأنها زخرف في زخرف ،وهي متاع الغرور .
على المؤمن أن يفقه هذه الحقيقة ، حتى يعيش في سلام دائم مع نفسه إلى أن يلقى ربه وهو على ذلك ،وسوف ينال الجميع جزاءه وسوف يعلمون .
الجميل أن هذه السورة التي عرضت لقضية الزيف والزخرف بجميع أشكاله وصوره ، وأسست للاعتقاد الصحيح بمنهجية العقل والحوار واعتماد الحقيقة وطرح الزيف والجدل العقيم " مالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " " ماضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " هذه السورة لها رونق خاص وإيقاع هاديء رخيم يأخذ بمجامع القلوب ، وتنتهي آياتها بحرف النون الحنون ، ولذا فهي حال تلاوتها تحدث بداخل نفسك سلما غير عادي ، وكأنها بالفعل تحطم أمامك كل زخرف وزيف فتريحك منه ومن علوه الخادع ، فتشعر بالطمأنينة والسلام وقد غشياك ونفذا إلى أعماقك ، ثم تجد نفسك بالفعل سلما ومسالما ومسلما إسلاما حقيقيا لاإسلام الشكل والزخرف والزيف .
والجميل كذلك أن موضوع هذه السورة باد من مطلعها في قوله تعالى " أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين " يعنى أنترككم تعيشون الأوهام ولانوضح لكم الحقيقة التى تفرون منها ، لأنكم تعشقون الزخرف والزيف بل وتسرفون على أنفسكم فيه ، كلا ..لابد من جلاء الحقيقة وإن كرهتموها وتهربتم من مواجهتها .
والخلاصة هي أنه لن يدوم باطل مهما تزين وتزخرف، والدنيا نفسها زخرف وعدم وزيف ، وإياك أن تتخبط في زخرفها وتنسى آخرتك لأنها هي الحقيقة التى سوف تساق إليها حتما .
نحمدك ياربنا بجميع المحامد كلها على نعمة القرآن العظيم ، ثم حمدا لك وشكرا على سورة الزخرف .
تدبروها ولاتنسوني من صالح دعائكم .
#ادزينب_أبوالفضل