لن أتحدث هنا عن السبب الرئيس الذي أدى إلى هذه الأحداث المؤسفة ، أعني أصحاب مكاتب الاستغلال التي تسمى مكاتب السياحة ، هؤلاء الذين يصدق عليهم وصف "المتجرين بالبشر " لأن هذه الجريمة التي ارتكبوها في حق من أغروهم من بسطاء المصريين هي جريمة اتجار بالبشر بامتياز ، هذه الجريمة التي ندد القرآن الكريم بها وبمرتكبيها وبكافة أشكالها وصورها ، قبل أن تجرمها القوانين الإنسانية كافة في عصرنا الحديث .
سأتجاوز الحديث عن هؤلاء لأن الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن ، على أمل أن تنال هذه الكيانات الوهمية أقسى عقاب رادع لهم ولأمثالهم ، لاسيما وقد أفضت هذه الجريمة إلى وفاة أعداد وفيرة من الحجيج المصريين وغيرهم بملابس إحرامهم البيضاء على الحجارة الملتهبة في صعيد عرفات ، وعلى الأسفلت المسجر بأشعة الشمس الحارقة في منى ،دون إنقاذ حتى من مرافقيهم .
ودعوني أتجاوز ذلك إلى الحديث عن أمر مهم من صميم اختصاصي ، ألفت به نظر القائمين على الشأن الديني في بلادنا ، حتى لاتتكرر هذه المأساة مرة أخرى ، لأنه ومن وجهة نظري أرى أن كثيرا من الدعاة والوعاظ وخطباء المساجد والمتحدثين في الشأن الديني في بلادنا عامة شركاء في هذا الذي حدث ، لسببين :
الأول: الثقافة الدينية الخاطئة التي تلقتها الجماهير الغفيرة من الناس في بلادنا بالوراثة جيلا إثر جيل ، والتي تتركز في ذلك الفصام النكد الذي أقيم بين المجرم قانونا والمحرم شرعا ، فالتحايل على القانون في العقل الجمعي حلال ، لأن القانون نفسه في الموروث الديني والثقافي مناقض للشريعة .
وقليل ماهم في بلادي من يؤمنون بأن العلاقة بينهما تلازمية ، وأن ماهو مجرم قانونا محرم شرعا .
فهؤلاء الحجيج كانوا على علم بأن هذه التأشيرات الوهمية ليست تأشيرات حج ، بمعنى أن السلطات السعودية - التي تمثل ولي الأمر الواجب طاعته فيما يتصل بتنظيم أعمال الحج - لم تصرح لهم بالدخول إلى الأماكن المقدسة لممارسة هذه الشعيرة ، ومع ذلك طاروا فرحا بهذه التأشيرات الوهمية ، لأنه لم يدر بخلدهم أن هذا الفعل محرم شرعا لأنه مجرم قانونا ، وأنه قد يعذر الجاهل منهم عند ربه ، أما غيره فربما ترد حجته عليه ولاتقبل ، وإن مات هذه الميتة ربما عد من الملقين بانفسهم إلى التهلكة، فيبوء بالإثم لابالمغفرة كما توهم .
والسؤال : كم من الناس في بلادي لديه هذه الثقافة ؟ ومن المسؤول عن هذا الجهل المطبق الذي شوه صورة الإسلام والمسلمين أمام العالم على هذا النحو ؟
نعم لقد فرض الله تعالى الحج ولكن بشرط الاستطاعة نصا " لمن استطاع إليه سبيلا " وهولاء جلهم غير مستطيعين فلماذا إذن ؟
السبب الثاني : أن أصحاب الخطاب الديني
الوعظي وتحديدا حين يتحدثون إلى الناس
في موسم الحج ، فيما مايعرف بالخطب الموسمية ، يحرصون أشد الحرص في خطبهم ومواعظهم على إثارة المشاعر وليس العقول ، وبطريقة يشعر معها عموم المسلمين أن باب المغفرة موصد في وجوههم إذا لم يحجوا بل ويتابعوا بين الحج والعمرة باستمرار ، حتى وجد لدينا نفر غير قليل من المتفلتين يعتقدون أنه مهما ارتكبوا من موبقات طوال العام فإن الحج كفيل بمحوها ، ولذا فهم يحرصون أشد الحرص على شد الرحال إلى مكة كل عام ،أملا في تلك المغفرة ، ثم يعودون إلى سالف عهدهم ، من فساد ورشوة واتجار بالمخدرات وانتهاك للأعراض ،وهكذا دواليك .
لقد جهل الناس في بلادي أن المسلم قد ينال ثواب حجة تامة مادام غير مستطيع وهو لم يبرح مكانه ، وبأقل مايمكن من التكاليف أو دون تكلفة على الإطلاق ؟ وأنه في وقت الأزمات يكون وضع اللقمة احتسابا في فم جائع ، أفضل في حق من أدى الفريضة من حجة بعد حجة ؟ وأن جبر الخواطر وقضاء حوائج الناس قد يعدل ثواب حجة وعمرة تامة ،ودون حل أو ترحال .
أتمنى أن نفسح للعقل والحكمة مجالا في خطابنا الوعظي والدعوي ، فالمشاعر إذا تأججت دون عقل واع ضابط ، ألقت بالنفس إلى التهلكة ، وهذا ماحدث بالفعل ، وهذه هي المشكلة الحقيقية المستترة خلف هذا الحدث الأليم .








































