٢٧ مايو ١٩٥٠ يوم من أيام قضاء مصر الشامخ :
( الحكم النهائي في قضية كتاب "من هنا نبدأ للأستاذ خالد محمد خالد )
في هذا اليوم جلس القاضي / حافظ سابق رئيس محكمة القاهرة الابتدائية على المنصة ، لينطق بالحكم النهائي في قضية هذا الكتاب المذكور ، وكانت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف قد تقدمت ببلاغ إلى النيابة العامة، تطلب فيه ضبط ومصادرة كتاب "من هنا نبدأ " لما فيه من هرطقة دينية وعداء للدين الإسلامي ، ومحاولة هدم كيانه الخ ماقالت .
وبالفعل أمرت النيابة العامة بمصادرة الكتاب مستندة إلى رأي لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ، واصفة أفكار المؤلف في الكتاب بالجرائم ، لكونه وصف أحكام الفقه بأنها غير قطعية فمنها الصواب ومنها الخطأ ، لأنها صادرة عن فقهاء من البشر يصيبون ويخطئون ، كما طالب بفصل شئون الحكم عن شئون الدين ، وأنه لاكلام عن تطبيق حد السرقة مثلا لحالة الفقر الشديد التي كان يعيشها المصريون في القرى والنجوع وقتذاك ، كما طالب بالتمكين الاجتماعي والوظيفي والسياسى للمرأة الخ
ولكن القاضي المستنير السابق لعصره المستشار / حافظ سابق ، لم يعبأ بكل هذه الادعاءات ، ولا بحالة التشنج والصياح التي سادت الأوساط الدينية وقتها ، وكيف أن الإسلام سيهدم بهذا الكتاب وسيضيع لصالح هؤلاء المأجورين من عملاء الغرب الخ مايقال في مثل هذه الظروف .
جاء حكم القاضي صادما للجميع ، إذ حكم بالإفراج عن الكتاب مصحوبا بحيثيات هي في حقيقتها بحث علمي دقيق عميق مدعما بنصوص الكتاب والسنة ، مما يشهد بالريادة لقضاة مصر في هذا التاريخ المبكر ، وبأن القضاء المصري مدرسة متميزة ذات جذور ضاربة بعمق في العدالة والموضوعية وحراسة القيم ، وهو دائما في دور المؤثر والفاعل والموجه وليس العكس .
أنا عن نفسي أحتفظ بنسخة من الكتاب طبعة عام ١٩٦٠ ذات ورق أصفر يكاد يكون مهلهلا ، مرفق بها في بدايتها صورة من قرار النيابة العامة بمصادرة الكتاب ، والذي اتكأت فيه على فتوى لجنة الفتوى بالأزهر ، ثم النص الكامل لحكم القاضي حافظ سابق في حوالي عشرين صفحة من القطع المتوسط ، وقد شرع خلالها يرد على كافة الاتهامات التي وجهتها لجنة الفتوى للمؤلف وكتابه ، ليقول في نهاية الحكم نصا " ولما كان الكتاب لاينطوي على جريمة ما ، فإنه لايكون ثمة محل لضبطه تطبيقا للمادة ١٩٨ من قانون العقوبات ، ومن ثم يتعين إلغاء الأمر الصادر بضبطه والإفراح عنه "
وللأمانة أقول : كل ماجاء في حيثيات الإفراج عن الكتاب ، لايكاد يختلف في شيء عما أرساه الشيخ محمد عبده رحمه الله من آراء في كتاباته وتفسيره للقرآن الكريم ، وأثمر ثمرته في تلامذته من بعده كالشيخ شلتوت والمراغي وابن عاشور ، ولايختلف كذلك عن التوجه العام للشيخ الإمام الدكتور / أحمد الطيب حفظه الله ، وإن كان لايزال يوجد بين المشتغلين بالفتوى والفقه - في مصر وخارجها - تيار جامد يحاول أصحابه دائما جذبنا إلى الخلف، تحت دعوى المحافظة على الثوابت ، وماهي إلا المحافظة على المكاسب والزعامات التي يسيطر بها أصحاب هذا التوجه على العامة والدهماء ، باعتبارهم سدنة هذا الدين وكهنته ، ولولاهم لذهب أدراج الرياح كما يدعون .
ياسادة : ليس الإسلام دينا هشا إلى هذه الدرجة التي تتوهمونها !!.
لقد قال عبد المطلب قديما إزاء جيش أبرهة و بإيمان عميق ، للبيت رب يحميه
ونحن نقولها مدوية : للإسلام رب يحميه .
وأخيرا أقول : هذا المنشور دعوة لمعاودة قراءة كتاب " من هنا نبدأ " وقرار لجنة الفتوى في مذكرتها إلى النيابة العامة ، لنتعلم جميعا نحن المسئولين عن الخطاب الديني ، عدم التسرع والعجلة في إبداء الحكم على الأفكار والآراء والأشخاص بأحكام تزج بهم إلى جهنم في الدنيا قبل الآخرة ، وأنه يجب حسن الظن بكل صاحب فكر إلى أن يثبت العكس ، وأن توالي الأيام مع اختلاف الظروف كفيل بأن يجعل من المرفوض مما سبيله العادة والمصلحة مقبولا ، بل ومستحبا وربما واجبا .
وبالمناسبة أود ألى الفت نظر المشتغلين بالفقه والشأن الديني عموما ، إلى أنه في أحكام محكمة النقض والقضاء الاداريي أحكام عميقة سطرها قضاة علماء خبراء ، حبذا لو تعلمنا منها كيف يتعانق الفقه مع الحياة ، خروجا من النمطية التي عليها الكثير من كتب الفقه .
مع التنويه إلى أنني قد عنيت بقراءة كتاب " من هنا نعلم " للشيخ الغزالي في رده على كتاب الأستاذ خالد محمد خالد
لكنني لست هنا في مقام بيان من المخطيء ومن المصيب ، وليس هذا هدفي مطلقا من هذا المنشور ، فقد قالت الأيام كلمتها ، ولعلى وفقت في توصيل هدفي ، ولعلهم يفقهون .