الأصل في الفتوى خصوصا المؤسسية أن تكون استباقية مبادرة ، تهتم بتقديم بدائل حضارية لواقع الناس المأزوم ومستقبلهم القريب والبعيد، يعني تتقدم هي أمام المجتمع ، لا أن تظل قابعة خلفه مكتوفة الأيدي ،حتى تتحول المشكلة إلى ظاهرة ، ثم تتقدم وبحذر شديد ،تستلهم الماضي ،لتقدم للناس حلولا بينها وبين حاضرهم قرون عديدة ،مما يزيد من الفجوة بين الدين والتدين ، ويزيد كذلك من تعقد الواقع وبشكل يستعصي على الحل .
وهذا معناه تخطي من لديهم وعي من الناس لهذا الفقه القديم والفتاوى الصادة عنه ،ولن يجدي حينئذ علو نبرة التغني بالتراث وأمجاده ، لأن من يقدمونه للناس حريصون على تقديمه في هيئة فروع فقهية تمثل واقع أجيال عاشت داخل زمان ومكان مغايرين.
وفي هذا السياق يحضرني تجربة عايشها الدكتور طه جابر علواني رحمه الله وقت أن كان رئيسا للمجلس الفقهي بأمريكا الشمالية وكندا ، وكان قد جمع حوالي ثلاثين سؤالا تمثل أهم استفتاءات المسلمين في أمريكا ، ثم أرسل بها إلى دور الإفتاء في العالم الإسلامي ،ونسخة منها إلى مجمع الفقه الإسلامي بجدة- وكان عضوا به -قال فأجاب المجمع عن بعض الأسئلة ،وأرجأ بعضها من دورة إلى أخرى إلى أن أصدر قراراته بشأنها بعد ثلاث سنوات من عرضها عليه .
فمثل هذا المسلك هو ماجعل في بعض الفتاوى الصادرة عن بعض المؤسسات الرسمية مايشبه التناقض ، تحت التذرع بقاعدة اختلاف الفتوى باختلاف الزمان ، وماهو باختلاف زمان ، ولكنها مشكلة التهيب من ردود أفعال أصحاب الفكر الراكد ، أو المتعيشين عليه .
هذا بالإضافة إلى الكثير من القضايا العالقة التي لاتزال في طور الكمون ، ولم تفرج عنها مؤسسات الفتوى بعد،تحسبا لانتفاضة الظلاميين ضدها بكتائبهم الكترونية المأجورة، أو تحسبا لانتفاضة أصحاب التوجه المقابل من تكوين والتكوينيين ، والناس في الحالتين لاسيما الشباب حيارى لايعرفون المخطيء من المصيب ، ولم تعد لديهم ثقة في أحد .





































