حقيقة رأي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور / أحمد الطيب في قضية تأديب الزوجات النواشز بالضرب :
في البداية أسوق هذه المقولة النورانية البليغة التي قالها فضيلته في هذه القضية نصا " قال : العنف ضد المرأة أو إهانتها دليل فهم ناقص ، أو جهل فاضح ، أو قلة مروءة ، وهو حرام شرعا "
عظيم جداااا . جملة اختصرت مجلدات في شريعتنا ومواقف وثقافات وأخلاقيات …
كلام رائع وواضح ، ينحني له الجميع بلا أدنى تردد إجلالا و احتراما !!!
ولكن أثير سؤال أحسبه غير بريء من قبل أحد الإعلاميين : ألا يتناقض هذا الرأي مع قول فضيلته صراحة بضرب الزوجة الناشز للتهذيب ، لاسيما وأن هذا الكلام مسجل لفضيلته وموجود في أحد اللقاءات التلفزيونية ؟
أقول : لاتناقض مطلقا ، وهذه الحملة الإعلامية ضد فضيلته يفتقر أصحابها بشدة إلى محاولة الوقوف على حقيقة موقف الإمام من هذه القضية .
وحقيقة موقف الإمام هو ماأعلنه نصا "ضرب الزوجة أو العنف ضد المرأة بشكل عام : فهم ناقص أو جهل فاضح … الخ
أما عن الزعم بأن الإمام يقول بضربها بناء على هذا الفيديو المنشور ، فأقول : الإمام في هذا الفيديو كان بصدد تفسير الآية القرآنية الكريمة " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن " ،
والآية قالت بالضرب نصا بعد مرحلة الوعظ والهجر وفي حق زوجة معينة ، هي بطبيعتها عنيفة بجانب كونها ناشزا، بل وفي درجة عليا من النشوز بدليل أنها لم تستجب للوعظ ولاللهجر .
وماقاله الإمام هنا ملخصه " النشوز في الآية معناه التكبر وقد تصل المرأة في نشوزها إلى درجة الامتناع عن زوجها تكبرا … هنا يباح التهذيب كرمز لجرح المبالغة في التكبر من ناحيتها ، وبحيث لايحدث أثرا ماديا ولامعنويا ، قال : "وهذا من باب ارتكاب أخف الضررين وليس تبريرا للضرب"
وأضع عدة خطوط أمام هذه الجملة الأخيرة لفضيلته .
والخلاصة أن الإمام هنا ياسادة يقدم تفسيرا للآية ، وهذا التفسير لايعني أنه يمثل رأيه الشخصي في القضية . 
وأزيد الأمر توضيحا فأقول :
أولا : لما نزلت الآية الكريمة بلغها النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته ممتثلا ، ولكنه قال صلى الله عليه وسلم إثر ذلك " ولن يضرب خياركم " وهذا التوجيه باطنه النهي عن الضرب ، ومن الذي يرضى لنفسه بأن لايكون من الأخيار فيغدو رجلا ضاربا؟
النبي صلى الله عليه وسلم إذن كإنسان كامل لم يرتض ضرب الزوجة كخلق وسلوك إنساني ، وإن كانت الآية قد أباحته بشروطه،
هذا مع امتثاله صلى الله عليه وسلم التام لشرع ربه .
وكان مسلكه العام صلى الله عليه وسلم هو عدم الضرب بيده إلا في سبيل الله ، كما في الحديث الصحيح .
وأوصى بالنساء خيرا في جميع المواقف ، وقال " ماأكرمهن إلا كريم وماأهانهن إلا لئيم "
والضرب بلاشك إهانة ، بل وفي أعلى درجات الإهانة .
ثانيا : الإباحة لاتعني أننا أمام حكم ثابت على إباحته على الدوام وفي كل الأحوال والظروف ، فالزواج في الأصل مباح ، ولكنه يصبح حراما في حق من يعلم من نفسه أنه سيظلم من يقترن بها لعلة نفسية أو جسدية أو خلقية أو مالية ، أو غير ذلك مما يعلمه عن نفسه .
ومن يتجاوز المباح في حق غيره يعزر ، وقد قرر شيخ الإسلام الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله- في كتابه فتح الوهاب ص٧٠١- وغيره من أعلام فقهائنا : أن الزوج إن سب زوجته أو شتمها ينهى عن ذلك ، فإن تمادى ورفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم كان له أن يعزره ، يعني يعاقبه العقاب الملائم .
هذا إن سب أو شتم فمابالنا بمن يضرب ؟
أعتقد أن هذا تفكير حضاري مبكر جدااا، يلفت إلى وجوب سن القونين والتشريعات الرادعة للسبابين والشتامين والضرابين ، بما يشهد لعظمة فقهنا التراثي المتهم بالرجعية والتخلف !!!
ثالثا : من حق الحاكم أو السلطة التشريعية تقييد المباح أو حظره ومنعه مطلقا إن أحدث ضررا عاما ، فسيدنا عمر رضي الله عنه حين خشي على الثروة الحيوانية من التضرر بكثرة الذبح ، حظر على الناس أكل اللحم يومين متتاليين ، وكان يجلس بنفسه في مجزرة الزبير ليراقب مدى امتثال الناس لأمره ، مع أن أكل اللحم ليومين متتاليين أو أكثر من ذلك مباح في الأصل ، ولكنه عمر رضي الله عنه حظره بصفته حاكما وللمصاحة العامة .
رابعا . القرآن الكريم كتاب عالمي لايختص ببيئة دون أخرى ، وقد كانت عقوبة الضرب لمن تفاحش نشوزهن من الزوجات مباحة لملاءمتها للمجتمعات الإنسانية وقتذاك كعلاج للنشوز ، وستظل ملائمة للمجتمعات الإنسانية الشبيهة .
أما إذا حدث تطور في مجتمعات بعينها أو وضعيات بعينها ورأى المشرع أن هذا السلوك المباح لم يعد مناسبا لحال النساء في مجتمعه أو الغالبية العظمى منهن ، أو رأى بعض الرجال وقد أساءوا استخدام ماأبيح لهم ضرورة، دون أن يقدروها بقدرها ، للمشرع حينئذ أن يتدخل بسن القوانين التي تمنع ، وبوضع العقوبات التي يراها رادعة في حق المتجاوزين . وهذا مافعله المشرع المصري بالفعل .
نعم للمشرع ذلك ، مع الانتباه إلى ضرورة وضع الضوابط التي تمنع سوء استغلال هذا القانون أو التشريع لدى الطرف الآخر ، أعني بعض الزوجات - حتى وإن كن قليلات - اللواتي ينقلبن إلى محاربات منتقمات ولأدنى سبب ، وكثيرا مايكون وراء ذلك كله الغيرة أو توهمها.
وأخيرا أقول : حفظ الله الإمام الطيب ، الذي ماكان أبدا ولن يكون مع أدنى إساءة أو تمييز ضد المرأة أو غيرها ، لأنه ببساطة : الإمام العالم المثقف المستنير الطيب ابن الطيبين .