نعيش اليوم في زمن تتغيّر فيه الملامح بسرعة تفوق قدرتنا على الفهم. أشخاص كانوا جزءًا أصيلًا من دوائرنا يبتعدون بلا سبب واضح، وآخرون لم نكن نلتفت إليهم يقتربون بهدوء ليثبتوا صدقهم. ومواقف صغيرة—ربما لحظة عابرة أو كلمة غير محسوبة—تكشف لنا حقائق لم تستطع السنوات كشفها.
مع مرور الوقت ندرك أن لكل موقف قدرة خاصة على إظهار جوهر من حولنا. فهناك من يقترب بدافع الفضول فقط، لا بدافع المحبة. وهناك من يخفي غلّه خلف ابتسامات باهتة، حتى يظهر في أول اختبار فيسقط القناع، وتنكشف النوايا.
الأشد وطأة أن يأتي الخذلان من أولئك الذين ظنناهم الأقرب، الذين توقّعنا أن يفرحوا لنجاحنا، فإذا بهم لا يرون في تقدّمنا خطوة واحدة إلا تهديدًا صامتًا. نجاحك بالنسبة لبعضهم لا يسعد، بل يثير ضيقًا دفينًا؛ لأنهم اعتادوا رؤيتك في موضع ثابت، مكان لا يتخطّى حدود راحتهم الداخلية.
لكن في الحقيقة…
لا شيء يستحق أن يملأ القلب غلًّا تجاه إنجاز غيرك.
فالنجاح لا يُنتزع من أحد، ولا يقلّل من أحد.
ولكل إنسان إمكانيات أودعها الله فيه ليشق بها طريقه. والفرح لنجاح الآخرين ليس ضعفًا، بل علامة على قلب نقي، متوازن، قادر على أن يحب من حوله دون أن يشعر أن الحب خصم من قيمته.
وفي خضم هذا التغيّر، نتعلّم الامتنان.
نمتنّ للمواقف التي كشفت لنا من يملك معدنًا صافيًا، ومن كان يختبئ خلف بريق زائف. ونمتنّ لأن الله يضيّق دوائرنا أحيانًا ليحمي قلوبنا من علاقات لا تستحق البقاء.
وربما أجمل ما يمنحه لنا الزمن…
أن نُمحّص علاقتنا، ونقترب ممّن يشبهون نقاء أرواحنا، ونبتعد عن كل ما يرهق القلب.
أن نحتفظ حولنا بأشخاص صادقين، لا تتلون قلوبهم، ولا تتبدّل محبتهم، يكملون معنا رحلة الحياة بطمأنينة وصدق.





































