في زمنٍ تتبدل فيه المعايير، وتختلط فيه القيم بالمصالح، لم تعد الأمانة أمرًا بديهيًا كما كانت من قبل، بل تحوّلت عند كثيرين إلى خيارٍ مؤجل، أو عبءٍ ثقيل، أو فضيلة لا تُمارَس إلا إذا ضمنت لصاحبها منفعة. أصبح الثبات على المبدأ تحديًا حقيقيًا، لا لأن الحق تغيّر، بل لأن الطريق إليه صار أكثر كلفة.
أن تكون أمينًا اليوم لا يعني فقط ألا تخون، بل أن تقاوم إغراءات كثيرة تدعوك للتنازل، وأن تصمد أمام أصوات تبرر الخطأ وتغلفه بأسماء براقة. الأمانة باتت اختيارًا صعبًا لأن العالم من حولنا يصفّق للنتائج، لا للوسائل، ويكافئ من يصل، لا من التزم بالطريق الصحيح.
الإنسان الحقيقي لا يُعرَف حين تُفتح الأبواب، بل حين تُغلق. يُعرَف في اللحظات التي يستطيع فيها أن يلتف على الحق، لكنه يختار المواجهة. في المواقف التي لا يراقبه فيها أحد، لكنه يراقب نفسه. فالقيم لا تحتاج إلى جمهور، بل إلى ضمير حي.
قد يخسر الأمين فرصًا، وقد يُساء فهمه، وربما يُتهم بالسذاجة أو الجمود، لكنه في المقابل يحتفظ بشيء لا يُعوَّض: سلامه الداخلي. ذلك السلام الذي لا تمنحه المناصب، ولا تشتريه الأموال، ولا يعوّضه التصفيق المؤقت. هو شعور نادر في عالم مزدحم بالقلق والتبرير.
في مجتمعات اعتادت تبرير الخطأ باسم “الظروف”، يصبح الالتزام بالأمانة فعلًا إنسانيًا نبيلًا، وصورة من صور الشجاعة الصامتة. شجاعة لا تُرفع لها لافتات، لكنها تترك أثرًا عميقًا في النفوس، وتعيد التذكير بأن الخير ما زال ممكنًا، وأن الإنسان قادر على أن يظل نقيًا مهما اشتدّ التلوث من حوله.
حين تكون الأمانة اختيارًا صعبًا، يصبح التمسك بها دليل وعي، لا ضعف، ودليل قوة، لا خسارة. فالعالم قد يكافئ المراوغة مؤقتًا، لكنه في النهاية لا يحترم إلا من عاش صادقًا مع نفسه، وحافظ على إنسانيته حتى آخر الطريق.








































