عم حسن الخواص..
مقدمه لابد منها....
ربما لاتهمكم هذه الشخصيه او تعيروها اهتمامكم ولكنها تهمني انا شخصيا فلقد تعلمت منه وعلى ايديه في سن الشباب الكثير من القيم الجميله والخبرات الحياتيه مما جعلني أضعها من ضمن بنود دستور حياتي..... فلكم الحق في عدم قراءته او الاهتمام به ولي كل الحق في أن اكتب عنه لانه زارني في المنام لمده خمسه ايام متواصله وهمس في اذني.... ازيك يابني وازي حالك انا عايز اطمن عليك فقررت الكتابه عنه ربما تصله كلماتي فالارواح جنود مجنده.........
( انتهت المقدمه)
هو صديق والدي الاثير لديه وصداقتهما تعدت ذلك بكثير ووصلت الي مرحله الاخوه وغطت الكون كله وفاضت....
وبدأت هذه الصداقه في بدايه الأربعينات من القرن الماضي واستمرت لمده ستون سنه كامله كلها حب في الله ووفاء نادر وايثار من كليهما يحسدا عليه....
هو رجل بسيط لم يكمل تعليمه ولكنه يحمل بداخله من خبرات حياه اكثر الف مره من دكاتره الفلسفه والعلوم الاجتماعيه وعندما تجلس معه لاتستطيع ان تغادر جلسته من حلو الحديث والقفشات المؤدبه والمتعه التي يختم بها كل موضوع يتناقش فيه او عمق المعاني التي تخرج من كلماته....
كان يمتلك محل لبيع مستلزمات واكسسوارات الجلود بجميع انواعها واشكالها ويقع هذا المحل في حاره منج والتي أمام مسجد السيده زينب....
ملحوظه: المحل موجود حتى الآن ويديره ولداه.
وامتلك هذا المحل في بدايه الأربعينات في نفس توقيت امتلاك والدي لمحله على الشارع الرئيسي بميدان السيده زينب...
اما عن وصفه فهو متوسط الطول وقوي البنيه وقمحي اللون ورأسه اصلع وله شارب عريض ومهندم ويرتدي الجلباب البلدي دائما وتحته الصديري المتعارف عليه في زي اولاد البلد وجيب جلبابه دائما منتفخ من كثره مافيه من أشياء علاوه على الحلوى التي يوزعها على أطفال الحي عند لقاؤه بهم....
حفر مكانا له في وسط تجار حي السيده زينب بمودته وحبه لهم لدرجه انهم كانوا يقصدونه في حل المنازعات التي تحدث بينهم وكلمته هي التي تمشي على الجميع ولا يستطيع احد مخالفتها.....
كان له برنامج يومي لم يتخلف عنه ابدا طوال حياته فيما عدا حالات الوفاه التي تحدث في الحي فكان يهرع لأهل المتوفي مهما كان التوقيت ويقف معهم ويساعدهم بأخلاص شديد حتى توقيت الدفن وبعد الانتهاء يعود ليستأنف عمله....
اما عن برنامجه اليومي المعتاد فكان يفتح محله في تمام الساعه السابعه صباحا وفي نفس توقيت فتح والدي لمحله فيترك محله بدون حراسه ويذهب لوالدى ويجلس معه لمده نصف ساعة يتناولان معا فنجان قهوه يقوم والدي بأعداده بيديه ويتجاذبان أطراف الحديث ثم يغادر الي محله...... ولم أراه يوما يتخلف عن هذا البرنامج طوال حياته...
لم استطيع في يوم من الايام ان اخترق العلاقه الجميله والاحترام المتبادل والآيثار الشديد بينه وبين والدي حتى انني في صدر الشباب تسللت الغيره منه بداخلي والتي صرحت بها لوالدى في احد الايام وفي أحد المواقف بأن قلت لوالدى انت بتحب عم حسن اكثر مني.......... فضحك والدي ضحكه عاليه وطويله ثم رد على الرد التالي.......
مش معقول كلام المجانين اللي انت بتقوله يامجنون..... انت ابني وحته مني وهو صاحبي وحبيبي اسمع بابني هاقولك نصيحه تستفيد منها في حياتك..... لما يكون عندك صاحب وحبيته في الله وبدون مصالح لازم تشبع منه انا وعمك حسن كبرنا خلاص ولازم نشبع من بعض قبل مانموت....... يابني اشبع من صحابك وخليك دايما مخلص في حبك ليهم ووفي معاهم....
واصبحت هذه العبارات البسيطه فيما بعد احد بنود دستور حياتي فيما بعد وحتى الآن.........
بعد هذه المحادثه القصيره مع والدي بدأت انظر لعم حسن الخواص نظره اخرى واعتبره والدي الثاني...
ومن غير المتوقع لي أن والدي نقل محادثتي معه لعم حسن أمامي فضحك الاثنان عليها طويلا وبصوت عالي. واشهد أمام الله أن عم حسن كان يتعامل معي بكل موده وحب صادق واحترام شديد لدرجه عندما كبرت في السن والرتبه عندما اذهب اليه في محله للسلام عليه ويكون جالسا يقف احتراما لي مما كان يسبب احراج شديدا لي واظل الح عليه بالجلوس ولكن هيهات....
انجب ولدين الأول ابراهيم والثاني عبد العزيز ورباهما احسن تربيه وزرع بداخلهما كل القيم الجميله والأخلاق الكريمه والتمسك بالدين وصرف عليهما بسخاء ولم يحرمهما من شيئ حتى تخرجا من الجامعه الأول ابراهيم من كليه الحقوق والثاني عبد العزيز من كليه التجاره....
وبعد تخرجهم ابتلاه الله في ولده الأكبر ابراهيم حيث انتمي هذا الابن للجماعه المحظوره وأصبح كادرا مهما من كوادرهم حيث كان مسؤلا عن توزيع المساعدات الماليه على فقراء الحي والتي كانت هذه الجماعه تقوم بتوزيعها على الفقراء لتضمن بهم الحشد وقت اللزوم وقاوم عم حسن اتجاه ابنه مقاومه شديده وبكل الوسائل والطرق وحذره كثيرا من اتباع هذا الطريق ولكنه فشل في ذلك لعناد هذا الابن مما جعله ضيفا دائما لدي اجهزه الأمن ولكم يااسيادي ان تقدروا مدى النزيف النفسي الذي بذله عم حسن تجاه تصرفات ابنه هذا وخيبه أمله فيه ولكنه في النهايه سلم أمره الي الله عز وجل.....
ملحوظه:
هذا الابن مختفي منذ عام ٢٠١٢ وحتى الآن ولا يعرف أحدا طريقا له....
واشهد أمام الله أن هذا الابن كان يتعامل معي بكل الحب المخلص والموده والاحترام الشديد ولم يبدو عليه أي نوع من انواع التطرف سواءا في القول او الفعل...
اما عن الابن الثاني عبد العزيز فأنه طيب جدا ومسالم جدا وليس له في التور ولا في الطحين كما يقولون وهو الآن يدير محل والده.....
كان عم حسن زاهدا في كل شيئ والزهد هنا ليس بمعنى البخل ولكن كان أقل القليل يشبعه ويرضيه ويسعد به وكان ليس لديه اي اطماع في شيئ او تطلعات لأي شيئ بل كان الرضى يكتسح كامل جوانحه....
عندما صفي والدي تجارته عام ١٩٩٠ التزم بالمنزل لا يغادره الا للضروره فغير عم حسن من عادته وأصبح يزور والدي خمسه ايام في الأسبوع ليلا بعدما ينتهي من اعماله وكان والدي يكلفه بقضاء بعض الأعمال التي تخصه ويتقبل هو ذلك بصدر رحب وسعاده بالغه....
قبل وفاته عام ٢٠١٢ بساعات قليله زار والدي ومكث معه مده أطول من المعتاد وكانت هذه الجلسه في مكتبي والذي يقع في شقه والدي وكانت هذه الجلسه من أمتع الجلسات التي حضرتها معهما وغادر في الساعه الحاديه عشر مساءا وفي الثالثه فجرا ابلغوا والدي بوفاته والذي قال لي عباره لم انساها حتى الآن وهي.......
عمك حسن غدر بيا ومات قبلي وانا اللي كنت فاكر ان هو اللي هايدفني بس سبقني........
بعد وفاه عم حسن دخل والدي في حاله حزن شديد لم أنجح في إخراجه منها واستمرت حتى وفاته بعده بسنتين عام ٢٠١٤ وفي آخر ليله لوالدى قال لي... انا شفت عمك حسن امبارح فتعجبت ورددت عليه ياوالدي عم حسن مات من سنتين فرد لاياابني ده جالي امبارح وسهر معايا وكانت هذه المحادثه في الثانيه عشره مساءا وفي الرابعه فجرا توفي والدي.....
والي روح عم حسن الخواص النقيه الطاهره ادعو له...
رحمك الله ياسيدي فلقد تعلمت على يديك من أمور الحياه مالم اتعلمه في الكتب........ ورحمك الله ياسيدي فلقد كنت وفيا وصادقا وامينا وخففت عن والدي الكثير من المشقه وقسوه الحياه.... وطبت مقاما ياسيدي عما ابديته من شهامه ورجوله وحب في الله لي ولوالدي........
اللهم ادخله مدخل الصدق الذي وعدت به عبادك المؤمنين وهو منهم............
( انتهت )