الباشا.... 3
في السابعه صباحا اتصل الباشا بوالدي واستنجد به وطلب منه الحضور فلبي والدي على الفور هذا الطلب وحكي له الباشا ماحدث... استمع والدي لما قاله الباشا بهدوء ثم سأله وهاتعمل ايه دلوقتي فرد عليه مش عارف انا كلمت المحامي بتاعي فأعتذر وقال انه مش هايقدر يعمل حاجه...!!!!! فأستدعي والدي رئيس عماله في المحل وامره بتجهيز شنط ملابس الباشا ومتعلقاته الشخصيه ثم انتظروا حتى حضر رجال تصفيه الاقطاع واستلموا الفيلا وأغلقوها بالشمع الأحمر وبعدها اصطحب والدي الباشا الي فندق شيبرد ودفع قيمه ١٥ يوم تحت حساب أقامه الباشا وكذلك أودع في خزينه الفندق مبلغ من المال تحت حساب مصروفاته .. وبعد الانتهاء سأله الباشا عن التكاليف التي دفعها قائلا انا ماعيش الا ٧٠ جنيه خدهم فرفض والدي ذلك تماما قائلا كل اللي انا عملته من خيرك ياباشا فانهمرت الدموع من أعين الباشا فقام والدي بأحتضانه وتهدئته واصطحبه الي شرفه الفندق المطله على النيل وقال له لا بد من التفكير في هذه المصيبه بهدوء وطالما المحامي بتاعك طلع ندل فأسمح لي بأن يتدخل المحامي الخاص بي في ذلك الأمر وهو لن يرفض لي طلبا فوافق الباشا على ذلك فقام والدي واتصل من تليفون الفندق بمحاميه الخاص محمود بك عيد واستدعاه ليحضر الي الفندق وفعلا خلال نصف ساعه حضر......
وقفه طويله نسبيا. :
محمود بك عيد هو المحامي الخاص جدا... جدا... جدا لوالدى تعرف عليه وهو في بدايه حياته المهنيه وفي نفس توقيت امتلاك والدي لمحله بالسيده زينب في بدايه الأربعينات وظل معه حتى وفاته في نهايه التسعينات من القرن الماضي وخلال هذه المده من الزمن كانت الثقه المطلقه بينهما والموده الخالصه هي عنوان علاقتها وايضا خلال هذه الفترة لم يخسر قضيه واحده من قضايا والدي في الأمور التجاريه او الضريبيه التي كان والدي يرفعها ضد الاجهزه الحكوميه لقرراتها التعسفيه او العشوائية من كبار موظفيها.....
منذ أن كنت صغيرا وانا اخاف من هذا المحامي واختبئ خلف والدي او في مكان بعيد عنه بداخل المحل حتى ينتهي اللقاء لان شكله ومنظره كان يشبهه رجال عصابات ال كابوني التي نراها في السينما تخطف الأطفال ولكن عندما كبرت وعقلت وتعاملت معه وجدته شخصيه محببه وحبوبه وطيب جدا وقلبه مثل اللبن الحليب وفي نفس الوقت يحب والدي جدا ويحترمه فتعلمت درس في الحياه بأن لا احكم على اي انسان بشكله..!!!
اما عن وصفه فهو طويل الي حد ما ونحيف جدا حتى تظن انه هيكل عظمي مرتديا جلد انسان ورأسه اصلع صلعه عظيمه وغريبه يحفها شريط صغير وضيق من الشعر وجبهته بارزه بطريقه ملحوظه وعليها رموش غير مشذبه ثم عينان غائرتان للداخل وضيقتان وتلمعان لمعه غريبه مثل عيون الثعالب ثم شارب عريض جدا وكثيف الشعر وكأن الله يعوضه عن شعر رأسه الأصلع وشفتاه رقيقتان تغطي أسنان قصيره ومستويه وبيضاءبالرغم من انه حريقه سجائر وطوال مده معرفتي به وانا أراه يرتدي بدله كامله بالكرافته والصديري وفي جيب الجاكت العلوي يلمع مشبكان من الذهب لقلمان حبر واحد مملوء بالحبر الأحمر والثاني بالحبر الأسود والذي يكتب به دائما وأما عن طريقه كلامه فهو يتميز بالبطء الشديد في حديثه ودائما يدوس على الحروف التي ينطقها ليؤكد معناها وأعصابه دائما هادئه ومتماسكه جدا...
كان له مكتب في أول شارع خيرت بالقرب من محل والدي وعندما فتح الله عليه اشتري شقه في عماره بأول شارع شريف بوسط البلد بجوار مبنى الاهرام القديم وتحتها مكتبه مجدي للادوات الهندسيه لمن يعرف المنطقه....
حصل على رتبه البهويه قبل قيام ثوره ٥٢ بأشهر قليله لم تمكنه من الاستمتاع بها ولكن ظل اللقب مرادف لاسمه طوال حياته.....
ومن مواقفه معي ان والدي ارسلني اليه في مكتبه الجديد لاسلمه بعض الأوراق لقضيه ما وعندما دخلت الشقه وجدتها مؤثثه تاثيثا فاخرا كمكتب لمحامي تجعلك تفكر على الفور بقيمه الاتعاب التي ستدفعها وعندما دخلت مكتبه الخاص وجدته أيضا مؤثث بطريقه فاخره وانيقه فيما عدا المكتب الذي يجلس عليه فإنه متواضع جدا فوجهت هذه الملحوظه اليه فضحك ورد قائلا علشان انت لسه صغير ماتعرفش قيمه ارتباط الإنسان بالاشياء.. المكتب ده لايمكن اتخلى عنه لانه هو اللي ابتديت بيه شغل المحاماه وانا لسه محامي صغير وكان وش السعد عليا شايف فخامه الشقه وفخامه الأثاث اللي فيها المكتب ده هو السبب فيها......
وظل محمود بك عيد المحامي مخلصا ووفيا وامينا مع والدي حتى وفاته عام ١٩٩٩.....رحمهما الله...... (انتظروني لنهايه الحكايه)
المجد لجيش مصر... وتحيا مصر الوطن