يقول بعض أهل الإشراق: «لو أنصفك قلبك لأراك ما لا تراه بعيناك»وعندما أعدتُ النظر في الكلمات، أدركت أنّ الرؤية ليست أداة من أدوات المعرفة، بل حالة من حالات الوجود، فالعين تلتقط الصورة، أما القلب فيلتقط الحقيقة، وما بين الصورة والحقيقة، مسافة لا يقطعها إلا من تخلّص من أوهامه، ونزل إلى باطنه كما ينزل الغواص إلى قاع البحر: لا يبحث عن شيء محدد، بل يبحث فقط عن أن يكون حاضرًا.
كنت أظنّ أن الخارج هو الذي يعكر صفوي، وأن العالم أثقل من أن يُحتمَل، وأن الضوضاء تحاصرني، وحتى عندما كنت أهرب من الأصوات، كانت تتبعني. ففهمتُ متأخرًا أن الضجيج الحقيقي ليس خارجنا، بل في داخلنا، وأن الظلمة التي نشتكي منها ليست في الطرق، بل في البصيرة التي لم تُصقل بعد، ولهذا يبدأ السائر الصوفي رحلته من نفسه، قبل أن يبدأها من العالم.
وأول ما يتعلمه السائر أنّ الحياة ليست طبقة واحدة، ولا الإنسان صفحة واحدة. هناك ظاهرٌ نعيش فيه، وباطنٌ يعيش فينا، ولولا إشارات الباطن لما أمكن للمرء أن يتعلم شيئًا عن نفسه، فإذا رقّت النفس، بدأت تسمع أصواتًا كانت مخفية عنها: همسات نداء، ونبضات معنى، ونور يتردّد في الصدر كأنه يطلب مكانًا يظهر فيه.
قال الجنيد: «التصوف حالٌ يقوم مع الأدب.» وهذا القول ليس تعريفًا، بل مفتاحًا. فالحال وحده اضطراب، والأدب وحده قيد، أما اجتماعهما فهو مقصود الطريق: أن يتحرك القلب بنور، وأن تتحرك الجوارح بحكمة. أن تكون حاضرًا في العالم، لكنّك غير مستسلم له، أن ترى الناس بعيونهم، وترى نفسك ببصيرتك.
وكنت أتساءل: لماذا نشعر أحيانًا أن في داخلنا أبوابًا مغلقة؟
لماذا يزورنا الحنين إلى شيء لم نعرفه؟
لماذا نبحث عن «معنى» لا نعرف شكله، لكننا نخاف أن نفقده؟
وربما لأننا لم نخرج من تلك النفحة الأولى التي خُلِقنا عليها، كما قال بعض العارفين: «فيكَ شيءٌ منك لا يشبهكَ، وهو الذي يحنّ إلى ما ليس في الدنيا.»
ونحن لا نكتشف هذا الشيء، بل نستيقظه، كلما صفا الداخل، انكشف. وكلما هدأ، تكلّم.
وعندما يبدأ القلب يستعيد قوته، تحدث التحوّلات الصغيرة التي لا يلتفت إليها إلا أهل الذوق.
غضب كان يشتعل فجأة، يخمد، حكمٌ كان جاهزًا على طرف اللسان، يذوب قبل أن يُقال، رغبات كانت تقودك، تتراجع إلى الخلف، كأن جزءًا منك كان مقيّدًا بخيط خفي، ثم انقطع عنه.
هذه التحولات ليست كرامة، ولا خارقًا، بل ثمار معرفة دقيقة: معرفة الإنسان بنفسه. فمن عرف نفسه لم يعد يفسّر العالم من خلال جراحه، بل من خلال بصيرته. ولم يعد يقف أمام الأشياء بذات العجلة، بل ينظر إليها بعين أخرى؛ عينٌ لا تبحث عن امتلاك، بل عن فهم.
كلما تعمّقت في الداخل، اكتشفت أن النفس ليست بحرًا واحدًا، بل بحارًا تتداخل: بحر الخوف، وبحر الأماني، وبحر الذكريات، وبحر النور… وكل بحر يحتاج إلى عبور مختلف.
بعضها يعبره الإنسان بالشجاعة، وبعضها بالصبر، وبعضها بالتسليم، وقد قال ابن عطاء الله: «متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء.»
ففهمت أن ما كنت أراه حرمانًا كان حماية، وما كنت أراه انكسارًا كان إعادة تشكيل، وما كنت أهرب منه كان هو الدرس الذي يرفعني.
وفي نهاية كل رحلة ، والصوفي يعرف أنه لا نهاية لها ، يدرك السائر أن الطريق لم يكن إلى «مكان»، بل إلى «حقيقة» وأن اللقاء الذي يبحث عنه لم يكن ينتظره خارجًا، بل كان مختبئًا في أعمق نقطة من القلب، حيث يستقر السكون، وحيث يلتقي الإنسان بصفائه الأول.
هناك فقط يفهم معنى القرب الذي لا تُعبّر عنه الكلمات؛ قربٌ لا يُقاس بالمسافات، ولا تُدركه العيون، بل يلمسه القلب كما يلمس الضوءُ الأشياء دون أن يمسك بها.
وهكذا… تستمر الرحلة، لا لأن اليقين اكتمل، بل لأن الشكّ تخلّى عن قسوته، ولا لأن الطريق صار واضحًا، بل لأن المسير أصبح نورًا.
ولا لأن القلب تغيّر مرة واحدة، بل لأنه بدأ يتغيّر في كل لحظة، كما تتغير السماء كلما مرّ عليها ضوء.
رحلة صوفية إلى الداخل، رحلة لا تُكتب نهايتها، لأنها ليست إلى عالم آخر، بل إلى عمق هذا العالم، وليست بحثًا عن الطريق، بل بحثًا عن الذي يسير.
ولأن كلما اقتربت، أدركت أن المسافة لم تكن بينك وبين الله… بل بينك وبين نفسك..








































