في حياتنا نِعم كثيرة لا تأتي فجأة ، ولا تُحدث انقلابا درامياً ، ولا تُشبه القصص التي نحكيها للآخرين بإثارة . نِعم هادئة ، مستقرة ، تكرر نفسها كل يوم ... حتى نكف عن ملاحظتها .
وهناك نَعم أخرى ، جاءت بمعجزة
جاءت بعد دعاء طويل ، أو خوف ، أو انتظار ، أو تمني ، أو لحظة يأس كنا نظن بعدها أن الأمر انتهى.
المفارقة أن النوعين معاً مهددان بشيء واحد :
الألفة !!!
وأنا لا أحب أن آلف النِعم
لا النعم التي لم تأت بمعجزة ،
ولا تلك التي جاءت بها .
أذكر نفسي دائماً أن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس الفقد ، بل أن يعيش وسط الخير وكأنه أمر عادي.
النِعم التي لم تأت بمعجزة هي أساس الحياة .
الصحة التي لا تؤلم ،
البيت الآمن ،
الستر ،
العقل الذي مازال يعمل ،
القلب الذي - رغم كل ما مر به - لم يتحول إلى حجر
هذه نِعم لم نستيقظ يوماً فوجدناها فجأة .. لكن غياب واحدة منها كفيل بأن يربك الحياة كلها .
لذلك أتعمد أن أسميها .. أن أذكرها لنفسي ،
لا في أوقات الرضا فقط ، بل تحديداً في أوقات الضيق .
حين أتوتر ، أو أضيق ، أو أشعر أن الأمور لا تسير كما أريد ، أسأل نفسي سؤالاً بسيطاً :
ما الذي مازال موجوداً ؟
وغالباً أجد الإجابة أمامي :
مازلت أتنفس .
مازلت في أمان
مازلت أستطيع أن أقول : الحمد لله .
لكن هناك نوع آخر من النِعم ..
نِعم لا يجوز أبداً أن نألفها .
النِعم التي جاءت بمعجزة.
تلك التي بكينا لأجلها . . انتظرناها طويلاً .. طلبناها بإلحاح .. أو حتى فقدنا الأمل فيها ، ثم جاءت . تلك التي يحصل الإنسان عليها ثم يألفها ويتعود عليها .
قد تكون شخصاً عاد إلى حياتنا بعد خوف من فقده .. أو فرصة كنا نظن أنها ضاعت .. أو نجاة من أمر كان يمكن أن يكون كارثياً .. أو باباً فُتح في وقت كنا نعتقد أن كل الأبواب أُغلقت .
هذه النِعم تحديداً ... يجب ألا نألفها أبداً .
لأنها لم تأتِ بسهولة .. ولأننا نعرف جيداً شكل الحياة قبلها
أنا أذكر نفسي دائماً بالنِعم التي ذكرتها يوماً في دعائي .
وأخاف من اللحظة التي أتعامل فيها معها وكأنها حق طبيعي .
أخاف أن أنسى رعشة الدعاء الأولى .. أو الدموع .. أو الخوف .. أو الامتنان الذي ملأ قلبي لحظة تحققت.
فالنِعم التي جاءت بمعجزة ، دوامها ليس في وجودها فقط ، بل في شكرها
والشكر هنا ليس مجرد كلمة ، بل حالة وعي .
وعي بأن ما بين يدي الآن
كان في وقتٍ ما أمنية .
وأنني لو لم أحافظ على الامتنان ، قد أفاجأ بأنني لم أعد أشعر بقيمته.
الاعتياد يفرغ النعم من معناها.
يجعلنا نطلب المزيد بلهفة ، ونغفل عما تحقق بالفعل .
وأنا لا أريد أن أكون في سباق دائم مع النقص .
لا أريد أن أعيش بعين لا ترى إلا ما ينقصها .
لذلك أمارس الامتنان كعادة يومية
ليس بأسلوب مثالي ، بل بأسلوب إنساني بسيط .
أحياناً بكلمة صامتة .. أحياناً بدعاء قصير .. وأحياناً بتوقف صغير في منتصف اليوم
أقول فيه " الحمد لله .. فعلا " لا مجرد ترديد
الحمد لله على النِعم التي استمرت دون معجزة ، والحمد لله على النِعم التي جاءت بها ، ومازالت هنا .
الحمد لله على الأيام العادية ، لأن العادي في حد ذاته نعمة .
والحمد لله على الأيام التي كنا نخافها ثم مرت بسلام .
أنا لا أدعي أنني ممتننة طوال الوقت ، لكنني أرفض أن أكون غافلة .
أذكر نفسي ، لأن التذكير حماية .. وأحمد الله ، لأن الحمد اعتراف .
وفي عالم يعلّمنا أن نلهث دائماً خلف القادم ، أحاول أن أتعلم فناً واحداً فقط :
أن أرى ما لديّ الآن ، وأن أقدّره ، وألا أسمح للألفة أن تطفيء أثر النعمة في قلبي








































