رغم مرور السنوات لم يستطع تجاوز انطباعه الأول، منعه الحب من اتخاذ اللازم، خالف فطرته ومسلمات تربى عليها، جاهد ليقنع نفسه أن التمسك بمعتقدات قديمة جهل، تغير الزمن ولم يعد لكثير من الأشياء نفس الأهمية، ابن الريف يريد الخروج من عباءة العادات القديمة منذ متى كان الشرف ضمن العادات القديمة؟ عندما اكتشف أنه لم يكن الأول أنكر صدمته، تحمل عبء رجولته المسفوحة بداعي الحداثة والتنوير، ما الفرق بينه وبين والده وأعمامه، وكل فرد لم يغادر الريف، لم يطّلع على ثقافات الغرب مثله، لكن ذلك الشعور القمئ الذي عاناه تلك الليلة، ظل يطارده، لم يغادر فمه طعم المرارة وغصّة الخذلان، حدّث نفسه كثيرًا بأنها تحبه، وما حدث كان خطأ غير مقصود، غُرِّر بها أحدهم وهي في عمر الزهور، لم تكن تدرك سمو المشاعر، بل هي آلية الغريزة، يتغير رأيه فجأة بمجرد أن يراها تبادل أقاربها أو أحد جيرانهم التحية، فتنفجر الأفكار السوداء في رأسه، افتراضات وخيالات وتنهشه الشكوك.
فينفجر فجأة دون سابق إنذار، انفجار في غير موضعه.
توقف بي الزمن، غلّف الصمت كل شيء، عدا دقات قلبي وخطواتي التي حاولت جاهدًا أن تكون خفيفة، أبدو هادئًا بينما تشتعل داخلي جمرات، أججتها سماعي لضحكات مكتومة، همسات تنبعث من غرفة نومي، أستطيع التمييز بين همسها وهمس آخر لا أعرفه، وخلال لحظة كونت المشهد داخل رأسي، حتى ردّة فعلي حضرت وبقوة، تناولت سكينًا كان يقبع بأمان داخل صحن الفاكهة المسجى على طاولة الطعام، اقتربت من الباب، أمسكت مقبضه، وكما توقعت، كان الباب مغلقًا، ركلة واحدة كانت كفيلة بكسره، تجمدت كما الجميع عندما رأيتها أمامي تفترش الأرض، هي وصديقاتها يتزين كما تفعل النساء عادة، عدت مسرعًا بعد أن تأكدت من خطأ ظنوني.
تبعته، نظرت إلى السكين بين أصابعه، ثم أعادت النظر إليه، سحبتها برفق وهي تنظر في عينيه، نظرتها تفقده صوابه، تنسيه كل أفكاره السوداء.
_ما زلت تريد رؤية الدماء!
هذا ما قالته لتواجهه بهواجسه، للمرة الأولى تضعه أمامها.
ألقيت بحمل جسدي على أقرب كرسي، نالت مني هذه المرة أيضًا، كيف تتحدث بهذا الثبات دون أن تحرك ساكنًا، تجعلني أنهار في كل مواجهة، أعدت النظر إليها وقد اتخذت قراري، سأقاوم ضعفي وأثأر لكرامتي، قلتها بثبات:
_أنتِ طالق








































