ارتعشت بين يديه كلما ضمها، تقلص جسدها وتكورت بين ضلوعه.
تقترب منه للمرة الأولى، لم تعتد ذلك مع أنه حقها الذي تناساه لسنوات وسنوات حتى أصبحت تستغربه وتشعر تجاهه بالرفض.
أدرك ذلك حين لاحظ عدم استجابتها وجسدها المتشنج، أرخى ذراعيه ليسمح لها باتخاذ القرار، ربما لو لم تكن تخاف اللوم لدفعته بعيداً عنها.
تأكد حين فرت من بين يديه بمجرد أن شعرت أنها تستطيع.
نظر بأسى إلى والدتها قائلاً:
_ ماذا أخبرتي ابنتي عني؟
= لا داعي لأن أخبرها أي شيء، يكفي ما رأته من معاناة بدونك، يكفي شعورها بالنقص وبفقدان والدها وهو على قيد الحياة.
لم ترَ شيئاً جيداً لتذكرك به، لم ترَ منك سوى الهجر والنسيان.
_ تهت في زحام الحياة، انشغلت عن كل شيء حتى ذاتي، مرت علي لحظات عصيبة لا أدري كيف نسيت كل شيء.
= لماذا عدت؟
_ عدت لأنني افتقدتكم، عدت لأعوضكم عن سنوات البعد والحرمان.
= بل عدت لأنك كبرت، خفت أن تنهي حياتك وحيداً، تذكرتنا فجأة عندما تركك من تركتنا لأجلهم.
جئت تداوي خذلانك لتقنع نفسك أنك ما زلت موجوداً وتمارس سطوتك ولديك دور لتكمله.
ولكنك مخطئ، تأقلمنا على الحياة بدونك، أصبح لدينا عالم منفصل لن نغيره لأجلك.
لن نتجاوز عن تقصيرك ونفتح أذرعنا لك، ولن يعوضنا حضورك الباهت عن غيابك الجائر.
_ ولكنكم تحتاجون لرجل.
= أرجوك توقف، لم أعد أحتمل هذه الكلمات، سمعتها لسنوات من كل من حولي، أرادوا مني رفع قضية والحصول على الطلاق غيابياً.
ولكني لم أفعل، تدري لماذا؟
كان ينظر لها بدهشة فأكملت:
= لأظل أردد أمامهم أني سيدة متزوجة وفيه لزوجي.
لكن الحقيقة أنك سلبت كل ما لدي من مشاعر أنثوية، لم تترك لدي ما أقدمه لغيرك، امتلأت بمشاعر الأمومة.
وقضيت عمري رجلاً أمام الناس، لم أترك مسؤوليتي بل أصبح نجاحي تحدياً أعددته لأشهره في وجهك عندما تعود.
أما الآن وقد رأيتك عدت، امرأة... امرأة تعاني جرحاً غائراً في أنوثتها وكرامتها وعمرها.
لذلك سأطلب منك أن تعتقني لوجه الله، طلقني وستكون هذه هي الحسنة الوحيدة التي تقدمها لي.
لن أحرمك من ابنتك أو أبعدها عنك، ربما تحاول تغيير فكرتها عن الرجال حتى لا تحمل عقدتك طوال حياتها، تدفع ثمن اختياري لك وتضيع عمرها.
_ تكرهينني جداً؟
= ليس كرهاً، بل هو ذنب ارتكبته في حق نفسي، وأظن أني كفرت عنه خلال سنوات.
نظر إليها بحسرة، يرى دموعها وقد احتجزتها مقلتيها ولا يستطيع منعها، كان دوره منذ عرفته أن يكون سبباً فيها، لم يعرف يوماً كيف يواسيها أو يبدل حزنها لفرح، لذلك وجد أن قرارها منصف، وقد حان الوقت لكي يكفر بدوره عن ذنبه.
حرك شفتيه محاولاً إخراج الكلمات من حلق جاف، قائلاً بألم:
_ أنت طالق.
أدار ظهره وذهب كما فعل سابقاً، الصورة تتكرر، الذكريات تعاد تمر في رأسها، السنوات وكأنها ثانية.
أقبلت عليها ابنتها، احتضنا بعضهما كما اعتادا منذ سنوات لينسيا الغدر والألم.








































