داهمني ذلك الشيء كما يفعل كل ليلة. أحاول التخلص منه ولكنه يقيد حركتي بالكامل، يحتجز أنفاسي ويحاصرني. لا أدري ماذا يريد مني ولكنه يردد بما يشبه الفحيح: "أنتِ لي، أنتِ ملكي".
وبرغم تكرار هذا كل ليلة، إلا أن تلك الليلة كانت أصعبهن. فتحت عيني لتواجه ظلامًا آخر، ولكنه هذه المرة داخل غرفتي. أنفاسي المتلاحقة خرجت عن سيطرتي، وضعت يدي على زوجي وحاولت هزه مرارًا حتى يستفيق قبل أن أفارق الحياة.
قال بفزع:
_ حبيبتي، ماذا بك؟
= كابوس... كابوس.
أحاطني بذراعيه، تلى الكثير من آيات الذكر الحكيم حتى هدأت. شعر باستكانتي فتساءل: هل أحضر لكِ بعض الماء؟
أشرت برأسي بما يعني لا.
استمر في احتضاني وتلاوة القرآن حتى ذهبت في نوم عميق.
شعرت به يربت على رأسي برفق، يردد هامسًا برقة:
_ حبيبتي استيقظي، حضرت الإفطار.
ابتسمت قائلة:
= فعلت ذلك لأجلي!
_ نعم فعلت، وسأجلس معك اليوم. لن أذهب إلى عملي.
هل أنتِ بخير؟
= نعم بخير.
_ هيا إذاً، وسنتحدث بعد تناول الطعام.
_ هيا أخبريني ماذا رأيتِ بالأمس؟
= كابوس مفزع يداهمني منذ فترة، ولكنه هذه المرة كان بشعًا. شخص أرى ملامحه جيدًا، يعتصرني ويكتم أنفاسي، يردد بصوت مخيف: "أنتِ لي، أنتِ ملكي".
تغيرت ملامحه وشرد في الفراغ لثوانٍ ثم قال باهتمام:
_ صفي لي شكله.
وصفته كما أراه.
= رجل أربعيني، يماثلك في العمر، ضخم البنية، ملامحه حادة، شعره كثيف. ليس مخيفًا في الشكل، لكن ما يفعله معي يخيفني.
شرد مرة أخرى، نظر إلي نظرة لم أفهم معناها، ضمني بقوة، وكأنه يريد أن يخبئني بداخله. تركت نفسي له، فهو أماني ومأمني.
مرت أسابيع على ما حدث، اعتنى بي خلالها كأني ابنته.
لدرجة أنه كان يسهر، يقرأ لي آيات من القرآن حتى أنام. شعرت به مرارًا يجذبني إلى أحضانه، يضمني ضمة أم رؤوم.
إلى أن أتى ذلك اليوم.
دعاه صديقه إلى حفل زفافه، صديق من أصدقاء الطفولة. ذهبت برفقته يومها، كنا نعرف كل الأشخاص تقريبًا فقد تربينا سويا في نفس المكان كجيران.
استأذنت منه حتى أذهب إلى دورة المياه.
وعند خروجي منها، اصطدمت بكيان أسود ضخم، اعتصر جسدي بيد، وباليد الأخرى ألصق شيئًا بوجهي. لم أدر بنفسي بعدها، استيقظت لأجدني في مكان لا أعرفه، أشعر بدوار شديد، فأعود لأغلق عيني.
نبهتني نداءات باسمي:
_ استيقظي، أنتِ بخير.
لم يمر كثير من الوقت حتى أدركت كل ما حولي، حتى ذلك الشخص الجالس أمامي،
هو... إنه هو. نفس الرجل الذي آراه في كابوسي.
ربما كنت أحلم، ولكنه هذه المرة يجلس أمامي، ويكتفي بالنظر إلي. وجهه هادئ جدًا. حاولت الاعتدال، ولكنه قيد يدي إلى الأمام.
شعرت بخوف شديد، هذا ليس حلمًا بل هي حقيقة.
حاولت إخراج صوتي، لكنه اقترب مني هامسًا:
_ إهدئي، نحن في مكان مهجور، لن يسمع صراخك أحد. سترهقين نفسك دون جدوى، احتفظي بمجهودك، ستحتاجين إليه.
قطبت حاجبي في عدم فهم، وأزدرت ريقي بصعوبة، وأخرجت صوتي المرتعش أخيرًا لأسأله:
= ماذا تريد؟
_ أريدك... أنتِ لي... أنتِ ملكي.
شهقت من هول المفاجأة.
= لست ملكك ولا لك، دعني أذهب.
_ لم تعرفيني حقًا؟!
كنت أراقبك مذ كنتِ صغيرة، عندما كنتِ تلعبين مع إقرانك، حينها كنتِ في الخامسة من عمرك. ظللت على هذا الحال حتى أصبحتِ عروسًا في الثامنة عشر. حدثت عنك صديقي مرارًا، عن ابتسامتك الرائعة، شعرك الطويل الجميل، كل شيء فيكِ يجذبني. ويا ليتني ما تحدثت إليه. أخبرته أني سأسافر، وبعدها سأعود لأخطبك. عدت بعد مرور ثلاث سنوات، وجدته قد تزوجك، ولديكما طفل.
عرفتِ من هو هذا الصديق الخائن؟
هو زوجك، أخذك مني وأوجع قلبي، والآن حان دوري لأجعله يشعر بنفس الألم.
بعد أن كنت أتخيلك بين أحضاني، وانتظر هذه اللحظة، أصبحت أتخيله وهو يحتضن حلمي الذي حلمت به ولم يمهلني لتحقيقه. سبقني إليك، سرقك مني.
تابعت كلامه الصادم وأنا أراقب ملامحه التي تتغير بشكل مخيف.
هتفت بغضب:
= أنت مجنون! ما ذنبي أنا؟
تعرف كم مر من الوقت! أبلغ الآن الثلاثين من عمري.
_ نعم، مر كثير من الوقت، وأعلم أنه لا ذنب لك. حاولت أن أعيش بعيدًا عنك وأنسى ما حدث، ولكن لم أستطع، والآن آن الأوان لأعيش حلمي معك.
لم أرد البكاء ولا إظهار ضعفي. تمالكت نفسي قدر الإمكان وأنا أقول:
= فك وثاقي، ما فائدة تقيدي ما دمت متأكدًا أنني لا أستطيع الهروب؟
أردت كسب بعض الوقت لأتأمل ما حولي وأستطيع التفكير.
فاستطردت:
= هذا القيد يؤلمني كثيرًا.
_ حسنًا، سأفك قيدك، ولكن بشرط أن تشاركيني الطعام كما يفعل العروسان.
ألا يفعلون ذلك في ليلتهم الأولى؟
آثرت الصمت. ما أريده الآن هو أن يفك قيدي لأكون حرة على الأقل.
فك وثاقي، مد يده ليساعدني على القيام، لكني تحركت بسرعة لأنزل بمفردي من الجهة الأخرى دون أن يلمسني.
ضحك بصوت عال قائلاً:
رغم مرور السنوات، تحتفظين بخفتك.
أردت الصراخ في وجهه لأخبره أنها ليست خفة، بل هو خوفي منه.
أردف قائلاً:
_ هيا اجلسي لتشاركيني الطعام.
انتقيت الكرسي الأكثر قربًا من الباب.
جلس بجواري، حاول الاقتراب بكرسيه، ولكنني ابتعدت.
_ انظري إلي، لطالما تمنيت أن أرى صورتي في هاتين العينين اللتين لم أميز لونهما إلى الآن.
لم أستجب، فصرخ بي بصوت عالٍ وبغضب:
_ قلت انظري.
ضرب الطاولة بيده فشعرت أن كل شيء حولي يهتز.
رفعت عيني إليه، فهدأت ملامحه.
_ ما زالت هذه اللمعة تضئ عينيك، ترى هل ما زال شعرك جميلاً وطويلاً؟
رفع يده يريد لمس حجابي، فقمت من فوري ووقفت بعيدًا عنه.
_ ابعد يدك عني، لا حق لك بذلك.
= بل لي حق، لم أحصل عليه منذ سنوات.
_ هذا الحق يملكه زوجي فقط، ولا شأن لي بما حدث بينكم.
= لا تذكر هذا الخائن أمامي.
كم أريد رؤية وجهه عندما أحدثه ليأتي لاصطحابك بعد أن... أحصل عليك.
اعتصرت كلماته قلبي، سمعت كثيرًا عن الرعب، ولكن ما أشعر به الآن فاق الرعب.
احتفظت بثباتي وأنا أقول:
_ سأقترح عليك أمرًا، بما أنك تريد إيلامه، لدي طريقة أخرى تستطيع بها جعله يتألم بشدة.
= ما هي؟
ازدرت ريقي بصعوبة وتنفست بعمق وأنا أقول:
_ أقتلني، سيتألم لفقدي، وسيأكل نفسه ندمًا لأنه السبب في ذلك.
= أمرك غريب، تفضلين القتل!
_ بل اختار ميتة شريفة، ما دام خياري الوحيد هو الموت.
أفضل أن أموت مرة واحدة على أن أموت كل يوم ألف مرة.
= لا أوافق، لا تعلمين شيئًا. طريقتي في قتلك ستؤلمه أكثر.
أصر على رأيه، فلم يعد أمامي سوى دفعه ليسقط. لا أدري من أين أتيت بهذه القوة. ركضت نحو الشرفة، فتحتها، واعتليت سورها. لم أتردد لحظة، هذا أيضًا كان خيارًا، ولكنني لم أطرحه عليه.
اتسعت عيناه من المفاجأة حين رآني أقف هناك، فصرخ بي:
= ستسقطين يا مجنونة.
_ أفضل السقوط من الشرفة، يناسبني هذا جدًا.
لا تملك قرار موتي كما لم تملك أي قرار، القدر يقول كلمته دائمًا، وهذا منصف حتى وإن لم يعجبك.
= توقفي، أرجوكِ، سأتركك ترحلين، لم أعد أريد شيئًا، أردت إخافتك فقط.
_ تكذب.
= صدقيني، سأفتح الباب، وسأبتعد لآخر الغرفة. يمكنك الذهاب ولن أوقفك.
لم أصدق أنه سيفعل. نظرت للأسفل، لم تكن المسافة بعيدة جدًا، ولكنها كانت كفيلة بكسر قدمي اليسرى وذراعي الأيسر، ارتطم رأسي أيضًا.
علمت هذا بعد أن أفقت، وجدت نفسي في المشفى وزوجي يقف بجواري ويمسك يدي، هاتفًا باسمي. استدعى الطبيب الذي فحصني وتأكد أني آراه جيدًا، أمر بنقلي إلى غرفة أخرى.
بعد مرور بعض الوقت، نظرت إلى زوجي طويلًا ثم هتفت قائلة:
_ من أحضرني إلى هنا؟
خفض بصره قائلًا:
= أحضرك مجدي إلى هنا، لا أعرف أين وكيف وجدك؟
_ لم يخبرك كيف وجدني؟
= لا، لم يتحدث. كان فقط...
صمت قليلًا كأنه يستصعب إخراج الكلمات، ثم أكمل:
لا عليك، هيا استريحي قبل أن تأتي الشرطة لتسألك. لقد تحفظوا على مجدي إلى أن تستفيقي وتصبحين جاهزة للاستجواب.
بعد قليل أتت الشرطة لاستجوابي.
سألوني إن كنت أعرف من أحضرني، فأجبت بالنفي.
_ هل تعرفين شخصًا يسمى مجدي السمري؟
= لا أعرفه.
_ من خطفك ومن أوقعك من الشرفة؟
= لا أعلم من خطفني، لم أره. ألقيت بنفسي من الشرفة، عندما وجدتني داخل شقة مغلقة بمفردي، ظننت أني أستطيع القفز دون إيذاء نفسي.
_ كيف لا تعرفين من أنقذك؟ يبدو أنه يعرفك جيدًا، كان حزينًا لأجلك، ظنناه زوجك في البداية، لم يذهب معنا إلا بعد أن اطمأن عليك. عمومًا، حمدا لله على سلامتك.
أغلق الضابط المحضر، فأنا لم أتهم أحدًا.
أردت إغلاق تلك الصفحة.
رافقني زوجي في الأيام التالية، حملت نظراته الكثير من الأسئلة، ولكن لم يجرؤ على البوح بها.
فتحت عيني في ذلك اليوم لتلتقي بعينيه.
_ صباح الخير... لا تخافي، جئت لأودعك. طوقتي عنقي بجمال لن أنساه، لن تري وجهي مرة أخرى.
أريدك فقط أن تعلمي أني تأكدت من مشاعري نحوك، واختياري لك كان في محله.
عجزت عن الرد، كما أنه رحل فورًا بعد قوله لتلك الكلمات.
فتح الباب ليذهب فوجد زوجي أمامه، تلاقت نظراتهما المشتعلة قبل أن ينصرفا، كلٌ في طريقه.
_ ماذا كان يفعل هنا؟
= أخبرني أننا لن نراه ثانية ولن يحاول إيذاءنا مرة أخرى.
_ كان هو إذًا؟
= نعم، كان هو. وكان علي أن أصلح ما أفسده تصرفك منذ زمن، دون أن أخسرك أو أخسر نفسي.
اتركني الآن، أريد أن أستريح، أنا متعبة جدًا.
أغلقنا الصفحة، ولكن هذا لا يعني أننا بخير. فقد سقطت الأقنعة بشكل مرعب، أظهرت ما تخفي ببشاعة.
ومع ذلك، ستستمر الحياة.
تمت.








































