الفصل الثاني
كان وفاء عائشة وحبها لصديقتها جاكلين، سببا في إنقاذها من موت حتمي، في الثواني الأخيرة وقبل أن تتناول حبوب الموت، دخلت عائشة مع والدتها ووالدة جاكلين، ومنعوها من ارتكاب جريمة بشعة، ضمتها أمها باكية، وهي تحمد الرب علي حفظها، وتدعو لعائشة، الصديقة الوفية، التي لم تتوانى لإنقاذ صديقة العمر، تنهدت والدة جاكلين وسألتها بهمس:
- ما الذي حدث؟!، لماذا يا جاكلين؟! ماذا ينقصكِ؟!
أجابت وهي دامعة العين، قريحة القلب، وقالت بصوت واهن مالت نبرته إلى البكاء:
- ينقصني أنتِ! وأبي! ينقصني الحب، الرحمة، الحنان، الأسرة الدافئة.
أنه الحب الذي يحتاج إليه كل إنسان ليعيش، الحب هو من يفعل المعجزات، وجاكلين لم يكن مصابها فقد أحلامها، بل فقد الحب والأمان، أنها بالكاد ترى والديّها، كلاهما طبيب في مستشفى خاصة، العمل أول وأخر اهتمامهما، أحيانا كثيرة تشعر ابنتهما أنها عبء، وأنهما تمنى ألا تُولد، فلا أحد يلتفت إليها، ولا يبحث عنها، كم ليلة كانت مستيقظة وادّعت نومها، حتى لا تراهما في أخر الليل منهكين، عابسين، مرت ليالي وأيام دون رؤيتهما، شعورها باليتم والغربة والوحدة؛ كسرها، فقررت الرحيل. تنهدت والدة جاكلين، وقالت بصوت كله حزن وألم: - كيف يا حبيبتي؟ أنا هنا بجانبكِ.
فركت جاكلين يديها بعصبية، وبنبرة سخرية وألم قالت:
- هنا؟!، أبدا يا أمي لم تكوني هنا! احتجت إليكِ ولم أجدكِ هنا! بكيت وحدي، تألمت وحدي، وقعت وقمت وحدي، أشعلت شموع ميلادي واطفأتها وحدي، أخبريني متى أخر مرة أكلنا معا، خرجنا معا، أوجلسنا معا، هل تذكري يوم ميلادي، أتذكرين كم عمري؟! لا تعلمين عني شيء، ولا أعرف عنكما أي خبر، غير أني دائما أجدني وحيدة! يتيمة!
صمتت برهة وهي عاجزة عن التفوه بحرف، ضمتها لصدرها وأخيرا قالت بخفوت:
- أسفة، سامحيني يا جاكلين.
كان الأمر صعبا، وعائشة ووالدتها صامتين، هذا الصمت الذي يعقب الحزن، ويكون أشد هدوء وألما.
في مكان أخر، في منزل ألاء، كان الأمر أكثر هدوءً، وقفت قرب النافذة تداعب العصافير، تذكرت خطيبها جلال، عادت بذاكرتها قليلا، قبل عام كان أبيها مريضا، وحضر والديّ جلال لزيارته، وعندما رأوا ألاء، أعجبتهما، وطلباها للزواج، وقتها ترددت آلاء، هذا العام ستبدأ رحلة الثانوية العامة، سنة فاصلة وحاسمة، لتقرير مستقبلها، كانت تحلم أن تصبح رائدة فضاء، الكل يشهد بتفوقها الدراسي، وأخلاقها الرفيعة، بكت كثيرا خوفا من القادم!، الكل يشهد لخطيبها بالخُلق، لكن فارس أحلامها رسمت له صورة مثالية، التدين وحفظ القرأن، التعليم الجامعي، الثقافة، وجلال على خلق لكنه مُدخن وغير ملتزم دينيا، وتحت ضغط الجميع، تمت الرؤية الشرعية، جلست معه وتحدثا، أخبرته بأنها ملتزمة بالزي الشرعي، تحفظ القرأن، تدرس العقيدة والفقه، ولا تريد زوجها مدخنا، صارحها برغبته في الاقلاع عن التدخين، ورغبته في التغير للأفضل، لذلك تقدم لخطبتها، لأخلاقها وتدينها! استخارت الله وبكت بين يديه متضرعة، أن يرشدها ويختار لها الخير.
في الصباح استيقظت على صوت والدتها:
-آلاء، انهضي حبيبتي، جاء جلال ومعه والديّه وأخيه، وسيارتين للذهاب لشراء الذهب!
بدا على وجهها علامات الاستغراب، فركت عيناها بيديها، وقالت وهى تهز رأسها:
-الآن! كيف ذلك؟! هل أخبروا والدي قبل قدومهم؟
ردت والدتها بضيق:
- لا، لم يخبروه، ووالدك غاضب، لكن والد جلال قبّل رأسه، واسترضاه كثيرا حتى وافق.
وبينما ترتدي آلاء ثيابها وتستعد، سقطت أمها مغشيا عليها فجأة!
أصاب آلاء الفزع وتملكها الخوف، ونادت والدها، ودخلت والدة جلال تطمئن عليها، حضر الطبيب وعلق لها المحاليل، كان هبوطا نتيجة الارتفاع في حرارة الجو وإنقطاع الكهرباء، تحسنت والدتها وطلبت منها الذهاب، رفضت آلاء الذهاب بدونها وبكت، لكن والدتها أصرت عليها فذهبت مع والدها، والبكاء لا يتوقف خوفا على والدتها، وقلقا من القادم! بعد ساعة فاجأتها والدتها بالحضور، وتعالت الزغاريد، التي أدخلت السعادة والبهجة على قلب الجميع.
تمت الخطبة، ومرت شهور وجلال ملتزم برغبة آلاء في عدم التواصل، يحضر لزيارة والدها كل فترة وهي تسلم وتجلس دقائق معدودة ثم تنصرف بهدوء، وبدا تغير جلال جليا للجميع، ليس فقط على سلوكه بل ملامحه زادت نورا ووسامة، توقف تماما عن التدخين، والتزم بالصلاة في المسجد، تقدم لإكمال تعليمه في الجامعة المفتوحة، ظل يرسل الهدايا مع والدته كل مناسبة، أخرها زوج العصافير الكناري، الذي أطلقت عليهما آلاء، اسميهما: آلاء وجلال، وقبل شهرين صمم والدها على عقد القرآن، فاستخارت الله واختار الله لها جلال زوجا وسندا. وكأن والدها أراد أن يطمئن عليها قبل رحيله، اشتد مرضه وتوفاه الله قبل الامتحانات بأربعين يوم، وأصبح جلال سندا لها، وعونا بعد الله على استكمال الطريق، يشجعها على المذاكرة، يهون عليها صعوبة الامتحانات، يرسل لها سيارة تقلها ذهابا وإيابا للامتحان، يشدد من إزرها ويذكرها بالله والرضا بقضائه، لولا وجوده لما مرت تلك الأيام العجاف، ابتسمت آلاء لتلك الذكريات، وكأنها كانت أمس! حملت الكتب التي اشتراها لها جلال، فهي تعشق القراءة وتهوى الكتابة، وأصبح رغم عدم ولعه بالقراءة أول قاريء لها، تنهدت وهي تردد برضا:
الحمد لله نحن في زحام من النعم








































